شهدت أسعار الذهب خلال الأسابيع الأخيرة تراجعًا حادًا بعد موجة صعود تاريخية دفعتها إلى مستويات غير مسبوقة، حيث فقد المعدن النفيس ما يقارب ألف دولار من أعلى مستوياته، في تحول أثار تساؤلات واسعة حول مستقبل السوق وما إذا كان هذا الهبوط يمثل نهاية موجة الارتفاع أم مجرد تصحيح مؤقت.
وأوضح تقرير صادر عن المركز المصري للدراسات الاقتصادية أن التراجع الحالي لا يعكس ضعفًا في الطلب العالمي على الذهب، وإنما يرتبط بشكل أساسي بتغير توقعات المستثمرين بشأن مسار السياسة النقدية العالمية، خاصة بعد تبدل الرؤية حول توقيت خفض أسعار الفائدة من جانب البنوك المركزية الكبرى، وفي مقدمتها الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي.
وكان الذهب قد سجل خلال الفترة الماضية مستويات قياسية تجاوزت خمسة آلاف دولار للأوقية، مستفيدًا من توقعات الأسواق بخفض أسعار الفائدة، إلى جانب استمرار التوترات الجيوسياسية وارتفاع الإقبال على الأصول الآمنة في ظل حالة عدم اليقين التي يشهدها الاقتصاد العالمي.
لكن المشهد تغير سريعًا مع استمرار الضغوط التضخمية وارتفاع أسعار الطاقة، وهو ما دفع البنوك المركزية إلى تبني نهج أكثر حذرًا بشأن السياسة النقدية، لتتراجع توقعات خفض الفائدة، الأمر الذي قلل من جاذبية الذهب باعتباره أصلًا لا يدر عائدًا، ودفع المستثمرين إلى إعادة توجيه جزء من استثماراتهم نحو أدوات مالية تحقق عوائد أعلى.
وأشار التقرير إلى أن هذه المتغيرات أدت إلى انخفاض سعر الأوقية إلى نحو 3997 دولارًا، مؤكدًا أن ما يحدث يمثل إعادة تسعير لتوقعات الأسواق أكثر من كونه تراجعًا في قوة الذهب كملاذ آمن أو مخزن للقيمة.
وأكد التقرير أن مستقبل أسعار الذهب خلال المرحلة المقبلة سيظل مرتبطًا بمسارين رئيسيين، أولهما تطورات معدلات التضخم العالمية، وثانيهما قرارات البنوك المركزية بشأن أسعار الفائدة، فإذا بدأت الضغوط التضخمية في التراجع واتجهت البنوك المركزية إلى خفض الفائدة، فمن المرجح أن يستعيد الذهب جزءًا من خسائره مع عودة المستثمرين إلى الأصول الآمنة.
أما إذا استمرت معدلات التضخم مرتفعة، واستمرت السياسات النقدية المتشددة لفترة أطول، فمن المتوقع أن تبقى أسعار الذهب تحت ضغط، مع استمرار حالة الترقب في الأسواق العالمية.
ويرى التقرير أن متابعة تصريحات مسؤولي البنوك المركزية أصبحت عنصرًا أساسيًا لفهم اتجاهات الذهب، إذ لم يعد أداء المعدن النفيس يعتمد فقط على الطلب التقليدي، بل أصبح مرتبطًا بدرجة كبيرة بتوقعات المستثمرين لمسار الاقتصاد العالمي والسياسة النقدية خلال الفترة المقبلة.

