لم يكن الإمام محمد متولي الشعراوي مجرد عالم أزهري أو مفسر للقرآن الكريم، بل كان واحدًا من أبرز الشخصيات الدينية التي تركت أثرًا عميقًا في الوجدان العربي والإسلامي، بعدما جمع بين العلم الغزير والأسلوب البسيط الذي قرّب معاني القرآن إلى ملايين المشاهدين، ليصبح بحق أحد أبرز رموز الدعوة الإسلامية في العصر الحديث.
وشهدت حياة الإمام الشعراوي العديد من المواقف والمحطات التي صنعت شخصيته الفريدة، وكان من أبرزها تعرضه للاعتقال خلال سنوات دراسته في الأزهر الشريف، نتيجة مشاركته في الحركة الوطنية المناهضة للاحتلال البريطاني. كما قضى 39 يومًا داخل السجن بعد اتهامه بإهانة الذات الملكية، إثر قصيدة ألقاها تضمنت انتقادات للملك فؤاد، في واقعة كشفت عن شخصيته الجريئة واهتمامه بالقضايا الوطنية منذ شبابه.
ومن المفارقات اللافتة أن الإمام لم يكن يرغب في الالتحاق بالأزهر في بداية مسيرته التعليمية، إلا أن إصرار والده على ذلك غيّر مجرى حياته بالكامل، ليصبح فيما بعد أحد أشهر علماء الأزهر وأكثرهم تأثيرًا في العالم الإسلامي.
وفي سنوات طفولته، أتم حفظ القرآن الكريم وهو في الحادية عشرة من عمره، كما امتلك موهبة أدبية مميزة، وبرز في كتابة الشعر والأدب، حتى اختاره زملاؤه رئيسًا لجمعية الأدباء بمدينة الزقازيق، وهو ما عكس تنوع اهتماماته إلى جانب تفوقه في العلوم الشرعية.
وامتدت مسيرته العلمية إلى خارج مصر، حيث عمل في المملكة العربية السعودية والجزائر، وأسهم في تطوير التعليم الديني ونشر الثقافة الإسلامية، قبل أن يتولى مسؤولية وزارة الأوقاف وشؤون الأزهر، ليواصل أداء رسالته الدعوية والعلمية في مختلف المناصب.
وعلى المستوى الأسري، كان الإمام الشعراوي أبًا لخمسة أبناء، واستطاع أن يوازن بين مسؤولياته العائلية ودوره الدعوي، محافظًا على حضوره العلمي والإنساني في آن واحد.
ويبقى الإنجاز الأبرز في مسيرته تقديم تفسير القرآن الكريم عبر شاشة التلفزيون، بأسلوب سهل وعميق في الوقت نفسه، وهو ما جعل حلقاته تحظى بمتابعة واسعة داخل مصر وخارجها، ورسخ لقبه الشهير “إمام الدعاة”.
كما عُرف الإمام بعدد من الفتاوى والاجتهادات التي أثارت نقاشًا واسعًا، من بينها اعتباره فوائد البنوك التقليدية من الربا، ورأيه بعدم جواز التبرع بالأعضاء بعد الوفاة، إلى جانب تأكيده جواز أكل لحم الخيل استنادًا إلى السنة النبوية، مع تأكيده الدائم أن الشريعة الإسلامية تقوم على التيسير ورفع الحرج عن الناس.
ولا تزال مقولاته الخالدة تتردد حتى اليوم، ومن أشهرها: “إذا رأيت فقيرًا في بلاد المسلمين فاعلم أن هناك غنيًا سرق ماله”، وقوله: “الإنسان الذي يستعلي بالأسباب سيأتي وقت لا تعطيه الأسباب”، وهي كلمات جسدت فلسفته في الحياة، وربطت بين الإيمان والعمل والعدل الاجتماعي، لتظل سيرته مصدر إلهام للأجيال المتعاقبة.

