شهدت أسعار الذهب خلال الفترة الأخيرة ارتفاعات متتالية، ما دفع العديد من المواطنين والمستثمرين إلى إعادة طرح سؤال بات يتكرر مع كل موجة صعود: هل أصبح الوقت مناسبًا لبيع الذهب أم أن الاحتفاظ به لا يزال الخيار الأفضل؟ ويؤكد خبراء الاقتصاد أن الإجابة لا ترتبط بسعر الجرام فقط، وإنما تعتمد على مجموعة من العوامل الاقتصادية والاستثمارية التي تحدد ما إذا كان البيع سيحقق مكسبًا حقيقيًا أم سيؤدي إلى خسارة جزء من الأرباح.
ويؤكد الدكتور فخري الفقي، مساعد مدير صندوق النقد الدولي السابق، أن الذهب يظل أحد أهم الملاذات الآمنة في أوقات الأزمات العالمية، مشيرًا إلى أن المستثمرين يتجهون إليه للحفاظ على قيمة مدخراتهم في ظل التوترات الجيوسياسية والتقلبات الاقتصادية. وأوضح أن التعامل مع الذهب باعتباره وسيلة لتحقيق أرباح سريعة يعد من أكثر الأخطاء شيوعًا، لأن قيمته الاستثمارية الحقيقية تظهر على المدى الطويل، بينما قد تشهد أسعاره تقلبات ملحوظة خلال الفترات القصيرة.
وأضاف أن الأسواق العالمية مرت خلال السنوات الأخيرة بسلسلة من الأحداث المؤثرة، بدءًا من الأزمات المالية والحروب وصولًا إلى النزاعات الإقليمية، وهو ما عزز الطلب على الذهب باعتباره أداة للتحوط وحفظ القيمة، إلا أن قرارات البيع أو الشراء ينبغي أن تستند إلى دراسة دقيقة وليس إلى ردود أفعال مرتبطة بالأخبار اليومية.
من جانبه، أوضح الدكتور محمود مصطفى، أستاذ الاقتصاد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن قرار بيع الذهب يجب أن يبنى على تحقيق ربح فعلي بعد احتساب جميع التكاليف، بما في ذلك المصنعية والضرائب وفارق البيع والشراء، وليس بمجرد ارتفاع سعر الجرام.
وأشار إلى أن المستثمر الذي يمتلك كميات كبيرة من الذهب يمكنه التفكير في البيع عندما تحقق الأسعار ارتفاعًا قويًا، خاصة إذا تجاوزت نسبة الزيادة نحو 20% خلال فترة زمنية قصيرة، بينما يختلف الأمر بالنسبة لصغار المدخرين الذين قد يكون الاحتفاظ بالذهب بالنسبة لهم أكثر جدوى من البيع السريع.
وحذر مصطفى من بيع كامل الكمية دفعة واحدة، موصيًا بتقسيم الذهب إلى ثلاثة أجزاء، يتم بيع جزء منها للاستفادة من المكاسب الحالية، مع الاحتفاظ بجزء آخر كادخار طويل الأجل، وترك الجزء الثالث للتصرف وفق تطورات السوق، بما يضمن تقليل المخاطر والاستفادة من أي ارتفاعات مستقبلية.
وأكد أن حساب الربح الحقيقي يجب أن يعتمد على مقارنة سعر البيع بإجمالي تكلفة الشراء شاملاً المصنعية والضرائب، لأن كثيرًا من المستثمرين يعتقدون أنهم حققوا أرباحًا بمجرد ارتفاع الأسعار، بينما تكشف الحسابات النهائية أن المكسب الفعلي أقل من المتوقع.
كما أوضح أن السبائك الذهبية تعد الخيار الأفضل للاستثمار مقارنة بالمشغولات الذهبية، نظرًا لانخفاض تكلفة المصنعية، وهو ما يمنح المستثمر فرصة لتحقيق عائد أعلى عند البيع. أما في حال شراء الذهب على دفعات بأسعار مختلفة، فينصح ببيع الكميات التي تم شراؤها بأقل الأسعار أولًا، لتحقيق أكبر هامش ربح.
وشدد الخبراء على أن التسرع في البيع خلال فترات التذبذب أو بدافع الخوف من تراجع الأسعار قد يؤدي إلى خسارة فرص استثمارية مهمة، مؤكدين أن القرار السليم يعتمد على تحقيق الهدف الاستثماري، وتغطية جميع التكاليف، ومتابعة المؤشرات الاقتصادية العالمية، وليس الانسياق وراء الشائعات أو التوقعات غير الموثوقة.
ويجمع المتخصصون على أن الذهب سيظل من أهم أدوات الحفاظ على قيمة المدخرات، إلا أن النجاح في الاستثمار فيه يتطلب الصبر، والتخطيط، واختيار التوقيت المناسب للبيع بما يضمن تحقيق عائد حقيقي ومستدام.

