شهدت دولة قطر، اليوم الأحد، حدثًا تاريخيًا برحيل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني عن عمر ناهز 74 عامًا، بعد مسيرة سياسية امتدت لعقود ترك خلالها بصمة واضحة في مسار الدولة، وأسهم في نقلها إلى مرحلة جديدة من الحضور الإقليمي والدولي. وأعلن الديوان الأميري القطري نبأ الوفاة، فيما توالت برقيات التعزية من قادة الدول العربية، وفي مقدمتهم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الذي أعرب عن خالص تعازيه إلى دولة قطر قيادةً وشعبًا، داعيًا الله أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته.
وُلد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في الأول من يناير عام 1952، وتلقى تعليمه العسكري في الأكاديمية العسكرية الملكية البريطانية “ساندهيرست”، قبل أن يعود إلى قطر عام 1971 ليلتحق بالقوات المسلحة، حيث تدرج في المناصب العسكرية حتى تولى قيادة “لواء حمد”، ثم رئاسة أركان الجيش، قبل أن يُعين وزيرًا للدفاع ووليًا للعهد عام 1977، ليبدأ مرحلة جديدة من العمل السياسي والإداري داخل الدولة.
وتزامنت نشأته السياسية مع السنوات الأولى لاستقلال قطر، التي أعلنت استقلالها رسميًا في الأول من سبتمبر عام 1971 عقب انتهاء الحماية البريطانية، لتبدأ الدولة في بناء مؤسساتها الحديثة وترسيخ مكانتها في المنطقة.
وفي 27 يونيو 1995، تولى الشيخ حمد بن خليفة مقاليد الحكم، لتبدأ مرحلة وصفت بأنها الأكثر تأثيرًا في تاريخ قطر الحديث، حيث شهدت البلاد إصلاحات سياسية واقتصادية واسعة، كان أبرزها إطلاق مشروع إعداد أول دستور دائم للدولة، والذي دخل حيز التنفيذ عام 2005، وأرسى مبادئ تنظيم السلطات، وكفل العديد من الحقوق والحريات، كما عزز مشاركة المرأة في الحياة العامة.
اقتصاديًا، ارتبط اسمه بالنهضة الكبرى في قطاع الطاقة، إذ تحولت قطر خلال فترة حكمه إلى واحدة من أكبر الدول المصدرة للغاز الطبيعي المسال في العالم، بعدما ارتفع الإنتاج إلى نحو 77 مليون طن سنويًا، وهو ما أسهم في تحقيق طفرة اقتصادية انعكست على مشاريع التنمية والبنية التحتية.
وعلى الصعيد الرياضي، نجحت قطر خلال عهده في الفوز بحق استضافة بطولة كأس العالم لكرة القدم 2022، لتصبح أول دولة عربية وشرق أوسطية تنظم الحدث العالمي، وهو الإنجاز الذي أدى إلى تنفيذ مشروعات عمرانية ضخمة غيرت ملامح العاصمة الدوحة، ورسخت مكانة قطر كوجهة رياضية وسياحية عالمية.
وفي العلاقات الخارجية، مرت السياسة القطرية خلال فترة حكمه بمحطات متباينة، خاصة مع مصر، حيث شهدت العلاقات مراحل من التوتر ثم التقارب. وكشفت مذكرات وزير الخارجية المصري الأسبق عمرو موسى عن جوانب من شخصية الشيخ حمد، واصفًا إياه بأنه قائد يتمتع بذكاء سياسي وشخصية قوية، مع قدرة كبيرة على إدارة الملفات الاستراتيجية، كما أورد عددًا من المواقف الإنسانية والطريفة التي جمعته بالرئيس الأسبق حسني مبارك.
وفي خطوة لاقت اهتمامًا واسعًا على المستوى الدولي، أعلن الشيخ حمد بن خليفة في 25 يونيو 2013 تخليه طواعية عن الحكم لصالح نجله الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، مؤكدًا أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى قيادة شابة قادرة على مواصلة مسيرة التنمية، في انتقال سلس للسلطة اعتُبر نموذجًا نادرًا في المنطقة.
وبرحيل الأمير الوالد، تطوي قطر صفحة أحد أبرز قادتها الذين ارتبطت أسماؤهم بمشروعات الإصلاح والتحديث والتنمية، بعد أن أسهم في ترسيخ مكانة الدولة على المستويات السياسية والاقتصادية والرياضية، لتبقى إنجازاته جزءًا مهمًا من تاريخها الحديث.

