تشهد أوروبا واحدة من أشد موجات الحر في تاريخها الحديث، وسط ارتفاع قياسي في درجات الحرارة تسبب في زيادة ملحوظة بأعداد الوفيات، الأمر الذي دفع منظمة الصحة العالمية إلى إطلاق تحذيرات جديدة من التداعيات الصحية الخطيرة للظروف المناخية القاسية.
وأكد المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، أن القارة الأوروبية سجلت أكثر من 1300 حالة وفاة زائدة منذ 21 يونيو الجاري، مشيراً إلى أن الإجهاد الحراري أصبح يمثل تهديداً حقيقياً للصحة العامة، ويُعرف بأنه “القاتل الصامت” نظراً لقدرته على التسبب في مضاعفات قاتلة دون مؤشرات واضحة في كثير من الأحيان.
وأوضح غيبريسوس أن العديد من المباني السكنية وأماكن العمل والمؤسسات التعليمية في أوروبا لم تُصمم لتحمل درجات الحرارة المرتفعة التي تشهدها القارة حالياً، وهو ما يزيد من تعرض السكان، خاصة كبار السن، للمخاطر الصحية.
وتصدرت فرنسا قائمة الدول الأكثر تضرراً من موجة الحر، بعدما أظهرت بيانات هيئة الصحة العامة الفرنسية تسجيل ما لا يقل عن ألف وفاة إضافية خلال ثلاثة أيام فقط، وأشارت الإحصاءات إلى أن عدد الوفيات اليومية تجاوز 1200 حالة في ذروة الموجة، قبل أن يرتفع إلى أكثر من 1400 حالة في اليومين التاليين، مقارنة بمتوسط يتراوح بين 900 و1000 وفاة يومياً خلال شهري أبريل ومايو.
وتعتمد السلطات الصحية في تقييمها على مؤشر “الوفيات الزائدة”، الذي يقارن عدد الوفيات الفعلية بالمتوسطات التاريخية للفترة نفسها، وهو مقياس يشمل الوفيات الناتجة بشكل مباشر عن ضربات الشمس، إضافة إلى الحالات التي تؤدي فيها درجات الحرارة المرتفعة إلى تفاقم أمراض القلب والجهاز التنفسي وغيرها من الأمراض المزمنة، ما يؤدي إلى الوفاة بصورة غير مباشرة.
وأظهرت البيانات أن نحو 85% من الضحايا كانوا من الأشخاص الذين تجاوزت أعمارهم 65 عاماً، فيما سُجلت أعلى معدلات الوفيات في المناطق التي خضعت لتحذيرات حمراء بسبب الحرارة الشديدة، والتي شملت نحو ثلاثة أرباع الأراضي الفرنسية خلال ذروة الموجة.
وفي سياق متصل، أعلن وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز أن موجة الحر تسببت أيضاً في ارتفاع حوادث الغرق، حيث لقي ما لا يقل عن 74 شخصاً مصرعهم منذ بداية الأزمة، وكان معظمهم قد توجهوا إلى الأنهار والبحيرات والمسطحات المائية غير الخاضعة للرقابة هرباً من درجات الحرارة المرتفعة.
وتواصل السلطات الأوروبية رفع حالة التأهب، مع دعوات للمواطنين إلى تجنب التعرض المباشر لأشعة الشمس، والإكثار من شرب المياه، والاهتمام بشكل خاص بالفئات الأكثر عرضة للخطر، في ظل توقعات باستمرار الأجواء الحارة خلال الأيام المقبلة.


