لم تكن فرحة لاعب منتخب مصر للشباب بعد إحراز هدفه أمام الجزائر مجرد لحظة فرح عابرة، فكل لاعب من حقه أن يفرح بهدفه، وأن يحتفل به كما يشاء في حدود الأدب والاحترام، لكن بعض الاحتفالات لا تنتهي بانتهاء المباراة، لأنها تكشف شيئًا أعمق من مجرد الانفعال بالهدف.
ما شاهدناه من حركة اللاعب بعد تسجيل الهدف كان مؤسفًا، ليس لأن كرة القدم تخلو من الحماس والانفعال، ولكن لأن من يرتدي قميص منتخب مصر لا يمثل نفسه وحده، وإنما يمثل بلدًا وجماهير وتاريخًا وقيمة يفترض أن تكون أكبر من لحظة نشوة أو رغبة في استفزاز المنافس.
ولسنوات طويلة ارتبط المنتخب المصري في وجدان جماهيره بصورة «منتخب الساجدين»؛ لاعبين يسجدون لله بعد الأهداف والانتصارات، في مشهد لم يكن مجرد احتفال رياضي، وإنما كان يعبر عن الامتنان والتواضع واحترام النعمة، حتى أصبحت تلك الصورة جزءًا من شخصية الكرة المصرية وذاكرتها الجميلة.
وليس المقصود أن نفرض على كل لاعب طريقة بعينها في الاحتفال، ولا أن نحاسب اللاعبين على مشاعرهم، وإنما السؤال الحقيقي هو: ماذا حدث للقيمة التي كانت تجعل لاعب المنتخب يعرف أن القميص الذي يرتديه أكبر من شخصه؟
كيف انتقلنا من لاعب يسجد لله شكرًا بعد الهدف، إلى لاعب يبحث في لحظة الانتصار عن حركة تستفز الآخرين أو تقلل منهم؟
المشكلة ليست في حركة واحدة بقدر ما هي في الرسالة التي يمكن أن تصل إلى الأجيال الصغيرة التي ترى لاعبي المنتخبات الوطنية قدوة لها. فاللاعب الشاب قد ينسى أن الهدف سيُنسى، وأن نتيجة المباراة ستصبح رقمًا في أرشيف البطولات، لكن الصورة التي يتركها سلوكه قد تبقى طويلًا في ذاكرة الناس.
المنتخب الوطني ليس مسرحًا لإثبات الذات، ولا مكانًا لتصفية الحسابات، ولا منصة لاستعراض القوة على المنافس.
المنتخب مسؤولية.
واللاعب الذي يرتدي قميص مصر يجب أن يعرف أن هناك فرقًا كبيرًا بين أن تحتفل بانتصارك، وبين أن تجعل من احتفالك إساءة إلى منافسك.
نحن لا نريد لاعبين بلا مشاعر، ولا نريد كرة قدم بلا حماس، ولا نريد أن نقتل فرحة الهدف باسم الانضباط. بالعكس، نريد لاعبًا يفرح، ويصرخ، ويحتفل، ويشعر بقيمة ما حققه، لكن يظل قادرًا في لحظة الفرح على أن يتذكر أنه يمثل مصر.
وهنا تكمن قيمة اللاعب الحقيقي.
فالأخلاق لا تظهر عندما نخسر ونكون في حاجة إلى الصبر، وإنما تظهر أحيانًا عندما ننتصر ونملك القدرة على الاستعلاء.
الانتصار الحقيقي ليس أن تجعل خصمك يشعر بالمهانة، وإنما أن تجعله يحترمك حتى وأنت تحتفل بانتصارك.
والأخطر من الحركة نفسها أن نتعامل معها باعتبارها أمرًا عاديًا، وأن نقول: «إنها مجرد فرحة لاعب شاب».
لا يا سادة، لأنها ليست مجرد فرحة لاعب عندما يكون هذا اللاعب يرتدي قميص منتخب مصر.
نحن نحتاج إلى أن نعيد تعريف معنى تمثيل المنتخب لدى الأجيال الجديدة. نحتاج أن يفهم اللاعب أن الموهبة وحدها لا تصنع لاعبًا كبيرًا، وأن الهدف لا يصنع نجمًا، وأن الشهرة لا تمنح صاحبها الحق في تجاوز حدود الاحترام.
لقد كان «منتخب الساجدين» صورة جميلة من صور كرة القدم المصرية؛ صورة كان فيها اللاعب يملك موهبة الانتصار، وفي الوقت نفسه يملك تواضع الإنسان أمام نعمته.
ولذلك فإن السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس عن لاعب بعينه، وإنما عن الصورة التي نريدها لمنتخباتنا في المستقبل:
هل نريد منتخبًا يعرف لاعبوه كيف يسجلون الأهداف فقط، أم منتخبًا يعرف لاعبوه أيضًا كيف يحترمون قيمة القميص الذي يرتدونه؟
فالكرة المصرية لم تكن عظيمة فقط بأهدافها وبطولاتها، وإنما كانت عظيمة أيضًا بأخلاق نجومها.
ومن المؤسف أن يتحول الهدف من لحظة فرح إلى لحظة إساءة، وأن تتحول المنافسة من شرف اللعب إلى استعراض على حساب الخصم.
لسنا في حاجة إلى «منتخب المتدني»؛ نحن في حاجة إلى أن نستعيد منتخبًا يفرح دون أن يهين، وينتصر دون أن يتكبر، ويخسر دون أن ينكسر، ويعرف أن قميص مصر ليس مجرد قميص يرتديه اللاعب لمدة تسعين دقيقة، وإنما أمانة يحملها على كتفيه أمام ملايين المصريين.
فالهدف قد يرفع اسم اللاعب للحظات، لكن الأخلاق وحدها هي التي ترفع قيمة الإنسان إلى الأبد.


