نعم.. مصر فيها 120 مليون مواطن، وهذه حقيقة نفتخر بها، لكن عدد السكان لا يصنع بالضرورة تتقيمة الإنسان، ولا يجعل الموهبة شيئًا قابلًا للاستبدال لمجرد أن هناك ملايين غيره.
عندما يقول المدير الفني لمنتخب مصر إن بلدًا تعداد سكانه 120 مليونًا لا يمكن أن يقف منتخبها على لاعب واحد، فهو يتحدث من زاوية فنية قد تكون مفهومة، لأن أي منتخب كبير يجب أن يمتلك البدائل، وألا يصبح أسيرًا لغياب لاعب مهما كانت قيمته. لكن المشكلة ليست في الفكرة، وإنما في الطريقة التي قيلت بها، وفي التوقيت، وفي الإيحاء الذي يمكن أن يصل إلى الناس.
مصر فعلًا فيها 120 مليونًا، لكنها فيها أحمد زويل واحد.. ومجدي يعقوب واحد.. ومحمد صلاح واحد.
لم يكن هناك بديل لأحمد زويل لمجرد أن مصر تضم ملايين العلماء والباحثين، ولم يكن مجدي يعقوب قابلًا للاستبدال لأن مصر تضم ملايين الأطباء، وكذلك محمد صلاح لم يصبح لاعبًا استثنائيًا لأن مصر لا تضم غيره، وإنما لأنه نجح وسط ملايين اللاعبين في أن يصنع لنفسه مكانًا لا يصنعه إلا أصحاب المواهب الاستثنائية.
القضية إذن ليست أن مصر تقف على فرد، وإنما أن بعض الأفراد لا يمكن أن تكون قيمتهم مجرد رقم في تعداد السكان.
محمد صلاح ليس المنتخب، وهذه حقيقة لا تحتاج إلى جدال، والمنتخب أكبر من أي لاعب، وهذه أيضًا حقيقة. لكن الاعتراف بأن المنتخب أكبر من صلاح لا يعني التقليل من قيمة صلاح، كما أن تقدير قيمة صلاح لا يعني أن المنتخب لا يستطيع اللعب بدونه.
المدير الفني الذكي يعرف هذه المعادلة جيدًا، ويعرف أن مهمته ليست فقط اختيار التشكيل وإدارة المباريات، وإنما أيضًا إدارة الكلمات، لأن تصريحاته لا يسمعها لاعب أو عشرة لاعبين فقط، وإنما يسمعها ملايين المصريين، ويقرأها العالم كله.
وحسام حسن ليس مدربًا لنادٍ يتحدث داخل غرفة مغلقة، وإنما هو المدير الفني لمنتخب مصر، ولذلك فإن كل كلمة منه لها وزن أكبر، وكل جملة يمكن أن تُفهم بأكثر من معنى، خصوصًا عندما تأتي في سياق يرتبط بلاعب بحجم محمد صلاح.
والحقيقة أن الأسلوب التصادمي في التصريحات أصبح أكثر من اللازم. في كل مرة تقريبًا نجد جملة تفتح بابًا جديدًا للجدل، بينما المنتخب في حاجة إلى الهدوء والتركيز وبناء الثقة، وليس إلى معارك جانبية مع اللاعبين أو الإعلام أو الجمهور.
القوة ليست دائمًا في أن تقول كل ما تفكر فيه، وإنما أحيانًا تكون القوة الحقيقية في أن تعرف ماذا تقول، ومتى تقوله، وكيف تقوله.
يمكن لحسام حسن أن يقول ببساطة: نعم، محمد صلاح لاعب استثنائي، وغيابه مؤثر، لكن لدينا لاعبون قادرون على تعويضه جماعيًا، ومن واجبنا أن نبني منتخبًا لا يعتمد على فرد واحد.
بهذه الكلمات تصل الرسالة نفسها دون أن يشعر أحد بأن هناك انتقاصًا من لاعب صنع تاريخًا استثنائيًا لمصر.
فالمنتخبات الكبيرة لا تُبنى بتقليل قيمة نجومها، وإنما بوضع كل لاعب في حجمه الحقيقي.
محمد صلاح ليس مصر كلها.. لكنه أيضًا ليس مجرد واحد من 120 مليونًا.
هو واحد من 120 مليونًا، لكنه واحد من أولئك الذين جعلوا اسم مصر حاضرًا في ملاعب العالم، وهذه قيمة لا تُقاس بعدد السكان و في النهاية، ليست المشكلة أن نؤمن بأن مصر أكبر من أي لاعب، فهذه حقيقة لا يختلف عليها أحد، وإنما المشكلة أن ننسى أن بعض الأشخاص يصبحون جزءًا من صورة وطنهم، وأن قيمة الإنسان لا تُقاس بمن يمكن أن يحل محله، بل بما استطاع أن يصنعه حين لم يكن أحد قادرًا على أن يصنعه مكانه. ومصر فعلًا 120 مليونًا، لكن فيها زويل واحد، ويعقوب واحد، وصلاح واحد.
لذلك فإن المدير الفني لا يُحاسب فقط على اختياراته داخل الملعب، وإنما أيضًا على كلماته خارجه؛ لأن المدرب الذي يعرف كيف يدير المباراة يجب أن يعرف كيف يدير الكلمة، فبعض الكلمات تمرّ كأنها عابرة، وبعضها يبقى طويلًا في ذاكرة الناس


