ليست المشكلة أن يكون للإنسان حياته الخاصة، أو أن يتعرض لخلافات وأزمات في حياته الشخصية، فهذه أمور قد تحدث لأي إنسان، ولا تعني الشهرة أن يصبح صاحبها مجرد شخصية مباحة للجميع، أو أن يفقد حقه في الخصوصية، لكن المشكلة تبدأ عندما تتكرر الأزمات المحيطة بشخصية عامة إلى الحد الذي يصبح فيه اسمها حاضرًا في مساحات لا علاقة لها بطبيعة عملها أو مسؤولياتها، وعندما تتحول الخلافات الشخصية إلى مادة تشغل الرأي العام، وتطغى على الدور الذي يفترض أن تؤديه هذه الشخصية في موقعها المهني.
والحديث هنا عن حسام حسن، المدير الفني السابق لمنتخب مصر، الذي عاد اسمه إلى دائرة الجدل مؤخرًا على خلفية أزمته مع طليقته، بعدما تقدم ببلاغ واتخذ إجراءات قانونية يتهمها فيها بأنها كانت متزوجة وقت زواجهما، وأنها أخفت عنه استمرار زواجها السابق، وهي اتهامات لا تزال محل نزاع، ومن حق كل طرف أن يلجأ إلى القانون لإثبات موقفه والحصول على حقوقه، دون أن نستبق التحقيقات أو نصدر أحكامًا في واقعة لم يقل القضاء كلمته فيها بعد.
لكن بعيدًا عن تفاصيل الخلاف وأطرافه، يبقى السؤال الذي يستحق أن نطرحه: هل يدرك أصحاب المناصب الرياضية الكبرى حجم المسؤولية التي يحملونها، وطبيعة المواقع التي يتولونها، وما تفرضه هذه المواقع من اعتبارات أخلاقية ومهنية تتجاوز حدود النجومية والشهرة؟
فحسام حسن لم يكن شخصية رياضية عادية خلال توليه مسؤولية المنتخب الوطني، وإنما كان المسؤول الأول عن الجهاز الفني لمنتخب يمثل مصر أمام العالم ويحمل آمال ملايين المصريين، وهو موقع لا تمنحه قيمته الألقاب أو الشهرة وحدهما، وإنما تفرض عليه طبيعة المسؤولية قدرًا أكبر من الحكمة والانضباط والقدرة على إدارة الخلافات، سواء داخل الملعب أو خارجه.
ولعل ما يجعل هذا الجدل أكثر أهمية أن الأزمة الأخيرة لم تكن الموقف الوحيد الذي ارتبط باسم حسام حسن وأثار نقاشًا واسعًا، فقد شهدت مسيرته محطات متعددة من الاشتباكات والخلافات، كان أبرزها واقعة الاعتداء على مصور في بورسعيد خلال قيادته للنادي المصري، وما صاحبها من إجراءات قانونية، فضلًا عن خلافات ومواقف مع بعض اللاعبين، وتصريحات وتصرفات أثارت جدلًا جماهيريًا وإعلاميًا في أكثر من مناسبة، وهي وقائع مختلفة في طبيعتها وتفاصيلها، لكن تكرار حضور اسمه في مثل هذه المساحات كان يفرض التوقف أمام الصورة العامة التي تتكون حول أحد أهم المناصب الرياضية في مصر.
ولم تعد التساؤلات المطروحة حول حسام حسن مقتصرة على أزماته الشخصية أو مواقفه الإعلامية، وإنما امتدت إلى مستقبل الجهاز الفني نفسه، في ظل ما تردد عن وجود خلافات داخل المنتخب، خاصة فيما يتعلق بالعلاقة بين المدير الفني وقائد المنتخب محمد صلاح، بعد واقعة استبدال اللاعب خلال مباراة أنجولا، وما أعقبها من غيابه عن مواجهة جنوب السودان ومغادرته المعسكر، فضلًا عما تردد في بعض التقارير والتصريحات عن وجود توتر في العلاقة بين الطرفين، وهي أمور لم يصدر بشأنها تأكيد رسمي من اللاعب، لكنها طرحت تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين قائد المنتخب وجهازه الفني.
كما أثارت زيارة هاني أبو ريدة، رئيس الاتحاد المصري لكرة القدم، إلى تركيا ولقاؤه بمحمد صلاح اهتمامًا واسعًا، خاصة في ظل توقيت الزيارة وما صاحبها من أحاديث عن ضرورة احتواء أي خلافات قد تؤثر على استقرار المنتخب، ورغم أن التواصل بين رئيس الاتحاد وقائد المنتخب أمر طبيعي ومطلوب، فإن دلالة التوقيت جعلت كثيرين يتساءلون عن طبيعة المشكلات التي كانت تحيط بالجهاز الفني، ومدى تأثيرها على العلاقة بين عناصر المنظومة الواحدة.
ولم تكن المسألة في النهاية مجرد خلاف بين مدرب ولاعب، لأن محمد صلاح ليس لاعبًا عاديًا داخل المنتخب، وإنما هو قائد الفريق وأحد أهم رموز الكرة المصرية عالميًا، كما أن حسام حسن لم يكن مدربًا لنادٍ يستطيع الاستغناء عن أحد لاعبيه أو استبعاده وفق رؤيته وحدها، وإنما كان مسؤولًا عن منتخب وطني يفترض أن يجمع أفضل عناصره تحت مظلة واحدة، بعيدًا عن أي حسابات شخصية أو خلافات في وجهات النظر.
ثم جاء القرار الرسمي من اتحاد الكرة بإنهاء مهمة حسام حسن وجهازه الفني والإداري، وتوجيه الشكر إليهم، مع تكليف علي ماهر بتولي المسؤولية الفنية للمنتخب خلال المرحلة المقبلة، موضحًا أن القرار جاء بعد دراسة الملابسات والأحداث التي شهدتها الفترة الماضية، وما ترتب عليها من تداعيات وتأثير سلبي على الصورة الإيجابية للمنتخب الوطني واستقراره. وهنا لا يمكننا أن نجزم بأن أزمة بعينها كانت السبب الوحيد في القرار، أو أن نختزل تجربة كاملة في خلاف شخصي أو موقف إعلامي، لكن من المهم التوقف أمام ما أعلنه الاتحاد نفسه بشأن تأثير الأحداث المتراكمة على صورة المنتخب واستقراره، لأن ذلك يعيدنا إلى جوهر القضية التي نتحدث عنها منذ البداية: المسؤولية التي تفرضها طبيعة المنصب على من يتولاه.
وهنا يجب أن نفرق بين حق الإنسان في الدفاع عن نفسه وحقوقه، وبين مسؤوليته عن الطريقة التي يدير بها خلافاته، فليس مطلوبًا من حسام حسن أن يتنازل عن حقه القانوني، أو أن يصمت أمام أي تجاوز يتعرض له، وليس من حق أحد أن يطالبه بالتخلي عن خصوصيته، لكن من حق الجمهور أن يتساءل عن مدى ملاءمة تكرار هذه الأزمات مع طبيعة الموقع الذي كان يشغله، وعن الصورة التي ينبغي أن يقدمها المدير الفني لمنتخب مصر باعتباره أحد أبرز الوجوه الرياضية التي تمثل الدولة أمام جمهورها وخارج حدودها.
إن المسؤولية الأخلاقية لا تقل أهمية عن المسؤولية الفنية، فالمدرب لا ينجح فقط بقدرته على وضع الخطط واختيار التشكيل وإدارة المباريات، وإنما أيضًا بقدرته على ضبط النفس، واحتواء الأزمات، والتعامل مع الاختلافات بحكمة واتزان، لأنه قبل أن يطالب لاعبيه بالالتزام والانضباط واحترام القواعد، يجب أن يكون هو النموذج الذي يقدم هذه المعاني، فالقدوة لا تُفرض بالمنصب، وإنما تُكتسب بالسلوك، والاحترام لا تصنعه النجومية وحدها، وإنما تصنعه طريقة تعامل الإنسان مع المواقف الصعبة
لقد أصبحنا في زمن لا تنفصل فيه الصورة العامة للشخصية الرياضية عن أدائها المهني، لكن ذلك لا يعني أن نطارد الأشخاص في حياتهم الخاصة أو أن نحول خلافاتهم الأسرية إلى مادة للفرجة، وإنما يعني أن نعيد الاعتبار لمفهوم المسؤولية، وأن ندرك أن هناك فارقًا بين إنسان يمارس حياته بعيدًا عن الأضواء، وبين شخصية تتولى موقعًا عامًا تتعلق به آمال مؤسسة وجمهور ووطن، فكلما زادت قيمة الموقع زادت معه الالتزامات، وكلما اتسعت دائرة التأثير أصبح ضبط السلوك أكثر أهمية.
واليوم تبدأ مرحلة جديدة مع تولي علي ماهر المسؤولية الفنية للمنتخب الوطني، وهي مرحلة لا ينبغي أن تنشغل بتكرار الأزمات أو الدخول في مقارنات شخصية مع التجربة السابقة، وإنما يجب أن تكون فرصة لإعادة ترتيب الأولويات، وترسيخ الاستقرار داخل الجهاز الفني، وبناء علاقة واضحة بين المدرب واللاعبين واتحاد الكرة، على أساس الاحترام المتبادل والانضباط والعمل المؤسسي، فالمنتخب اكبر من اي اسماء



