تختار المرأة رجلًا لتأتمن به، وتفرح معه، لا لتبكي بسببه.
تختاره لأن في داخلها قلبًا يريد أن يستريح، وروحًا أرهقها صخب الحياة، ونفسًا تتمنى أن تجد في قربه شيئًا من الطمأنينة التي لا تمنحها الأيام بسهولة. لا تبحث عن رجل يجعل حياتها خالية من المتاعب، فذلك مستحيل، لكنها تبحث عن رجل لا يتحول هو نفسه إلى متاعب جديدة، ولا يصبح قربه عبئًا يضاف إلى أعبائها.
فالمرأة لا تحتاج إلى رجل يمنحها السعادة في كل لحظة بقدر ما تحتاج إلى رجل لا يسلبها سلامها النفسي في كل خلاف. رجل تستطيع أن تختلف معه دون أن تخاف من قسوته، وأن تعاتبه دون أن تخشى هجره، وأن تحكي له ما يؤلمها دون أن يستخدم ضعفها يومًا ضدها. رجل تعرف معه أن الخلاف لا يعني الإهانة، وأن الغضب لا يمنح أحدًا الحق في التجريح، وأن الحب لا يسقط بمجرد أن تختلف وجهات النظر.
فالأمان في الحب ليس وعدًا يُقال، ولا كلمات جميلة تُكتب في لحظات الشوق، ولا اهتمامًا مؤقتًا ينتهي بمجرد أن يطمئن أحد الطرفين إلى بقاء الآخر. الأمان هو أن تتطابق الكلمات مع الأفعال، وأن تشعر المرأة أن مكانتها في قلب الرجل لا تتغير بتغير مزاجه، وأن كرامتها ليست ثمنًا تدفعه كلما أرادت الاحتفاظ به.
والمؤلم أن بعض الرجال يظنون أن امتلاك قلب المرأة يمنحهم الحق في إنهاكه، وأن كثرة التسامح دليل على أنها لن ترحل، وأن دموعها بعد كل خلاف تعني أنها ما زالت تحبه، فيتمادون في القسوة وهم لا يدركون أن القلب الذي يسامح كثيرًا قد يصل يومًا إلى مرحلة لا يعود فيها قادرًا على العتاب.
فالمرأة لا تنطفئ دائمًا في لحظة واحدة، بل قد تنطفئ قليلًا قليلًا؛ في كل كلمة جارحة ابتلعتها، وفي كل دمعة أخفتها، وفي كل ليلة نامت فيها مثقلة بما لم تستطع قوله. حتى يأتي يوم تبدو فيه هادئة، لا لأنها تجاوزت الألم، بل لأنها لم تعد تملك رغبة في شرحه. وهنا تكمن الخسارة الحقيقية؛ حين يتوقف الإنسان عن الشكوى، لا لأنه لم يعد يتألم، بل لأنه فقد ثقته في أن أحدًا سيحاول أن يفهمه.
وليس معنى ذلك أن الرجل مسؤول وحده عن كل ما يحدث في العلاقة، أو أن المرأة لا تخطئ، فالحب علاقة يتقاسم طرفاها مسؤولية نجاحها وفشلها. لكن هناك فرقًا بين خلاف يصلحه الحوار، وخلاف يهدمه التعالي، وبين عتاب يقرّب القلوب، وعتاب يتحول إلى وسيلة للعقاب. هناك فرق بين إنسان يخطئ ثم يحاول إصلاح ما أفسده، وآخر يكرر الأذى ثم يطالبك بأن تنسى، وكأن
النسيان واجب على من تألم، بينما الاعتذار رفاهية لمن تسبب في الألم.
إن أجمل ما يمكن أن يمنحه رجل لامرأة ليس أن يجعلها تضحك طوال الوقت، فهذا فوق قدرة البشر، بل أن يجعلها مطمئنة إلى أنها لن تُهان لأنها أحبته، ولن تُعاقب لأنها صرّحت بما يؤلمها، ولن تضطر إلى التنازل عن نفسها كي تحافظ عليه.
فالمرأة التي تختار رجلًا لا تمنحه قلبها وحده، بل تمنحه جزءًا من سلامها، ومساحة من ضعفها، وثقة لا تستطيع أن تستعيدها بسهولة إذا انكسرت. ومن لا يدرك قيمة هذه الأمانة، قد يكتشف متأخرًا أن خسارة امرأة أحبته بصدق ليست دائمًا رحيلها عنه، بل أن تبقى إلى جواره يومًا بجسدها، بينما يكون قلبها قد غادر منذ زمن.
فالحب ليس أن تجد شخصًا تبكي بين يديه كلما أوجعتك الحياة، بل أن تجد شخصًا لا تضطر إلى البكاء بسببه، وأن تكون عيناك في حضوره أكثر اطمئنانًا، لا أكثر انكسارًا.
لأن المرأة لم تختر رجلًا لتخوض معه حربًا جديدة، بل اختارته لتجد في قلبه وطنًا صغيرًا تستريح فيه من حروب العالم. ومن المؤسف أن يتحول الوطن إلى منفى، وأن يصبح الشخص الذي احتمت به الروح هو نفسه من تبحث الروح عن النجاة منه.
وفي النهاية، ليست قيمة الرجل في قدرته على جعل المرأة تخاف خسارته، بل في قدرته على أن يجعلها تشعر أن وجودها معه مكسب لا يهدد كرامتها، وأن حبها له لا ينتقص من حبها لنفسها. فالقلب الذي نأتمنه على سعادتنا لا نطلب منه أن يمنع عنا الحزن كله، وإنما نرجوه ألّا يكون هو الحزن الذي نحاول النجاة منه.
فإذا كان الحب اختيارًا، فإن الأمان هو ما يجعلنا نتمسك بهذا الاختيار. وإذا كانت السعادة أن نجد من نحب، فإن النضج أن نجد فيمن نحب راحة القلب، لا وجعه؛ وسكينة الروح، لا خوفها؛ ويدًا تمتد إلينا كلما تعثرنا، لا يدًا تدفعنا إلى السقوط ثم تسألنا لماذا نبكي.


