القاهرة — تتجلى رحمة الباري جلّ وعلا بعباده في أبهى صورها؛ إذ خلقهم على الفطرة السليمة التي تهاديهم إلى الحق وتدلهم عليه، متوجاً ذلك بميثاق الإشهاد الأول الذي أخذ به ذريتهم. ولم تقف الرحمة الإلهية عند هذا الحد، بل تتابعت الرسل مبشرين ومنذرين لتصحيح المسار وإقامة الحجة، واقترن بعثتهم بنزول الكتب السماوية لتثبيت دعائم الدين. وكان مسك الختام بعثة النبي محمد ﷺ وخاتم الكتب القرآن الكريم، الذي تكفّل الله بحفظه من كل تحريف ليكون رسالة الخلود للناس أجمعين.
وتتجسد في كتاب الله العزيز آيةٌ هي أعظم آيات التنزيل قدرًا وأعمقها معنًى؛ وهي “آية الكرسي” التي نزلت بالمدينة المنورة ليلاً. وتذكر المأثورات التاريخية أنه عند نزولها خرّت الأصنام وسقطت التيجان عن رؤوس الملوك وهربت الشياطين، لما اشتملت عليه من التوحيد الخالص ونعوت الجلال والكمال.
التفسير والمدلولات الإيمانية
تضمنت آية الكرسي مضامين عقدية عميقة أجمع العلماء والمفسرون على جليل قدرها:
(اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ): إثبات الألوهية المطلقة لله وحده؛ فهو “الحي” الباقي الذي لا يموت وتُنَفَّذ مقاديره، و”القيوم” القائم على كل نفس والمحيط بأعمالها. وقد ورد أن أحدهما أو كلاهما هو “اسم الله الأعظم”.
(لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ): نفيٌ تام للنعاس والنوم عن ذاته العلية، بما يؤكد كمال القيومية والنزاهة عن الملل أو النقص.
(لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ): ملكية مطلقة وشاملة لكل ما في الكون خلقًا وتدبيرًا.
(مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ): تقريرٌ لمهابة الموقف الإلهي؛ فلا شفاعة للأنبياء أو الملائكة أو الصالحين إلا بعد صدور الإذن الإلهي.
(يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ): إحاطة علمية شاملة بأمور الدنيا والآخرة دون غياب أو خفاء.
(وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شاءَ): بيان لعجز المخلوقات عن إدراك العلوم إلا ما أفاضه الله عليهم.
(وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ): تنوعت آراء المفسرين في معنى الكرسي؛ فمنهم من فسره بالعلم (كابن عباس والطبري)، ومنهم من فسره بالقدرة أو بمخلوق عظيم لا تقاس به السماوات والأرض إلا كحلقة في أرض فلاة.
(وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ): لا يثقله ولا يعجزه حفظ هذا الكون العريض، فهو سبحانه العلي بقدره ومنزلته، العظيم في ملكه وسلطانه.
فضائل وبركات معنوية
حظيت آية الكرسي بمكانة استثنائية في السنة النبوية؛ حيث حرص النبي ﷺ على قراءتها دبر كل صلاة مكتوبة وجعلها سببًا لدخول الجنة، كما تُعد حرزًا حصينًا وقايةً للمسلم من العين والحسد والشرور عند الصباح والمساء وقبل النوم.



