حين تضيق بك الدنيا وتثقل هموم الحياة قلبك، تذكر أن هناك باباً في السماء لا يُغلق أبداً، وموعداً ليلياً ينتظرك فيه ربٌ رحيم يحب أن يسمع صوتك، فيجبر كسرك ويمسح عن روحك كل تعب. إنها لحظات السكينة الصافية التي تضع فيها جبهتك على الأرض في جوف الليل، فتشعر وكأن الكون كله قد سكن ليحتوي دعاءك ودمعتك.
ولأن هذه الدقائق الغالية هي جنة المؤمن في دنياه ومفتاح الفرج لكل مهموم، نأخذكم في هذه السطور عبر “النافذة نيوز” للتعرف على كيفية صلاة قيام الليل وعدد ركعاتها بالشرح والتفصيل، وكيف تخطو كل خطوة فيها بروحانية تملأ قلبك طمأنينة ويقيناً.
منزلة قيام الليل في القرآن والحديث
إن صلاة الليل هي خلوة العارفين وملاذ المشتاقين إلى رب العالمين، وقد جعلها الحق سبحانه وتعالى في محكم التنزيل صفة لازمة لعباده الأخيار المقربين؛ إذ قال تعالى في سورة الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾، وقال واصفاً منازل المتقين في سورة الذاريات: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْمَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾.
وقد دلت السنة النبوية المطهرة على علو شأن هذه الركعات في نيل الدرجات العُلى:
خير النوافل على الإطلاق: روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل».
أنس الصالحين وشفاء القلوب: روى الإمام الترمذي في سننه، وحسنه الألباني، عن بلال رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، وإن قيام الليل قربة إلى الله، ومنهاة عن الإثم، وتكفير للسيئات، ومطردة للداء عن الجسد».
شرف المؤمن الحقيقي: أخرج الحاكم في المستدرك والبيهقي في شعب الإيمان، وصححه الألباني، عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا محمد.. واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس».
متى يبدأ قيام الليل وما هو أفضل أوقاته؟
فتحت الشريعة الإسلامية باب قيام الليل واسعاً ليتسع لأحوال الناس جميعاً دون مشقة أو عسر:
1. بداية الوقت ونهايته: يدخل وقت قيام الليل بمجرد الانتهاء من صلاة العشاء وسنتها المؤكدة، ويظل ممتداً حتى طلوع الفجر الصادق (أذان الفجر). فمن صلى ركعتين نافلة بعد العشاء بنية قيام الليل كُتب من القائمين بإذن الله.
2. ساعة التجلي والنزول الإلهي (الثلث الأخير): أجمع أئمة الفقه على أن أزكى أوقات الليل وأرجى ساعات الاستجابة هو الثلث الأخير من الليل؛ لما ثبت في الصحيحين (البخاري ومسلم) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟».
كيفية صلاة قيام الليل وعدد ركعاتها: شرح عملي خطوة بخطوة
الأصل في قيام الليل هو اليسر والخشوع؛ فقد أصل النبي صلى الله عليه وسلم قاعدتها الجامعة في الحديث المتفق عليه عند البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى».

وإليك البيان العملي التفصيلي لأدائها ركعة بركعة:
1. الركعة الأولى: إقبال وخضوع
استحضار النية وتكبيرة الإحرام: تتوضأ وضوءك للصلاة، وتقف باتجاه القبلة مستحضراً في قلبك أنك تناجي رب العزة، وترفع يديك حذو منكبيك قائلاً: «الله أكبر».
دعاء الاستفتاح: يُستحب أن تستفتح صلاتك بما رُوي في صحيح مسلم عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين..».
القراءة: تقرأ سورة الفاتحة بتأنٍ وتأمل، ثم تقرأ ما تيسر من سور القرآن الكريم، وإن قرأت بآيات تدعو للرحمة سألت الله رحمته، وإن مررت بآية عذاب استعذت بالله منها كما كان يفعل المصطفى صلى الله عليه وسلم.
الركوع المعظم: تكبر وتركع بمد ظهرك ووضع يديك على ركبتيك خاضعاً، وتسبح بخشوع: «سبحان ربي العظيم» ثلاثاً أو ما زاد.
الرفع من الركوع: تعتدل قائماً مطمئناً قائلاً: «سمع الله لمن حمده»، ثم: «ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه».
السجود وبوح الدعاء: تهوي ساجداً على سبعة أعظم، واقترب من مولاك وبُث إليه كل رجائك، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء».
الجلوس بين السجدتين: ترفع قائلاً: «الله أكبر»، وتجلس مطمئناً مفترشاً رجلك اليسرى وناصباً اليمنى، وتقول: «رب اغفر لي، رب اغفر لي»، ثم تسجد ثانية كالأولى.
2. الركعة الثانية وختام الثنائية:
تنهض للركعة الثانية مكبراً وتفعل مثل ما فعلت في الأولى من قراءة الفاتحة وسورة قصيرة أو آيات متفرقة، ثم تركع وتسجد مرتين.
تجلس بعد السجدة الثانية مطمئناً لقراءة التشهد الأخير كاملاً مع الصلاة الإبراهيمية: «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد…».
تسلّم عن يمينك قائلاً: «السلام عليكم ورحمة الله»، ثم عن يسارك: «السلام عليكم ورحمة الله».
3. إكمال عدد الركعات:
إذا أردت الاستزادة، تقوم بتكبيرة إحرام جديدة وتصلي ركعتين أُخريين بالطريقة نفسها تماماً (مثنى مثنى) حتى تبلغ ما تيسر لك (أربع، أو ست، أو ثماني ركعات).
كم عدد ركعات قيام الليل وكيف تُختم بصلاة الوتر؟
أقلها وأكثرها: أقل صلاة الليل ركعتان خفيفتان، ولا حد لأكثرها؛ فللمسلم أن يصلي ما شاء الله له أن يصلي بحسب طاقته وهمته.
الهدي النبوي في العدد: ثبت في صحيح البخاري عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها سئلت عن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان فقالت: «ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعاً، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً».
ختام الصلاة بالوتر: إذا أردت الفراغ من صلاتك، تختم بركعة واحدة وتراً، أو تصلي ركعتين وتسلم ثم تصلي ركعة واحدة مفردة وتسلم، لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً».
قبسات من نور: نصائح للثبات ولذة المناجاة
إن لذة قيام الليل عطاء يمنحه الله للقلب المقبل بصدق؛ فابدأ بركعتين يسيرتين قبل نومك أو قبل الفجر بنصف ساعة، واقرأ فيهما ولو بعشر آيات حتى تخرج من دائرة الغفلة؛ فقد روى أبو داود في سننه، وصححه الألباني، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قام بعشر آيات لم يُكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كُتب من القانتين، ومن قام بألف آية كُتب من المقنطرين». تدرج في عبادتك، وحافظ على قلبك طاهراً من شوائب النهار، لتجد نفسك في كل ليلة تتشوق لتلك اللحظات التي تخلو فيها بربك الكريم.



