في عام 644م، رحل عمر بن الخطاب ، ثاني الخلفاء الراشدين، تاركًا سيرة ارتبطت بإقامة العدل وقوة الحكم والزهد في مظاهر الدنيا. وبينما تحضر في الذاكرة صورته بوصفه قائدًا سياسيًا وصاحب دولة واسعة، يقدم الكاتب عباس محمود العقاد في كتابه «عبقرية عمر» قراءة لجوانب أخرى من شخصيته، متوقفًا عند علاقاته الأسرية والإنسانية، وطبيعة تعامله مع النساء والأبناء والأصدقاء، وكيف اجتمعت في شخصيته الشدة والرحمة.
الزهد وقوة النفس
يتوقف العقاد عند المفارقة بين اتساع سلطة عمر بن الخطاب وبساطة معيشته، مشيرًا إلى أنه كان صاحب سلطان على رقعة واسعة، لكنه عاش حياة تتسم بالكفاف والزهد، ولم يجعل من مكانته السياسية مبررًا للترف أو الاستمتاع بمظاهر الملك.
ويرى العقاد أن هذه الخشونة في المعيشة لم تكن دليلًا على القسوة الإنسانية، فالخشونة في طباع عمر لم تكن نقيضًا للعطف والرحمة، وإنما كانت في جانب منها درعًا يخفي وراءه قلبًا وديعًا ومشاعر رقيقة لا تظهر بسهولة.
ويستشهد في ذلك بعلاقاته الزوجية، وبما ورد من أخبار عن تعلق بعض زوجاته به، ومن بينهن عاتكة بنت زيد، التي رثته بعد مقتله بقصائد عبّرت فيها عن عميق حزنها لفقده، ووصفت ما كان يتمتع به من رأفة بالمقربين وشدة على الأعداء.
أب يحمل قلبًا رحيمًا
يفرد العقاد مساحة واسعة للحديث عن عمر الأب، مستعرضًا عددًا من المواقف التي تكشف اهتمامه بأبنائه وحرصه على مشاعر الأطفال، إلى جانب إدراكه لمسؤولية الولاة تجاه أسرهم ورعيتهم.
ومن أبرز المواقف التي يوردها قصة الوالي الذي استغرب تقبيل عمر لأحد الأطفال وملاطفته، قائلًا إنه لم يقبّل أحدًا من أبنائه العشرة، فكان رد عمر أن الرحمة التي انتزعها الله من قلبه لا ينبغي أن تؤهله لتولي شؤون المسلمين، وأمر بتمزيق كتاب تعيينه.
كما يروي قصة كلاب بن أمية، الذي كان في الغزو بعيدًا عن أبيه المسن، فاستدعاه عمر إلى المدينة بعدما علم باشتياق والده إليه. وعندما جمع بينهما، شاهد تأثر الأب بلقاء ابنه، فأمر كلابًا بملازمة والديه والقيام على خدمتهما.
ويشير العقاد كذلك إلى موقف عمر من الأطفال الذين كانوا يلهون في الطريق، إذ لم يكتفِ بطمأنة طفل خشي أن يأخذ الصبية ما جمعه من البلح، بل رافقه حتى منزله حماية له.
العدل في التعامل مع المرأة
يتناول العقاد علاقة عمر بالمرأة من زاوية تجمع بين غيرته وشدته من ناحية، وحرصه على حقوقها وإنصافها من ناحية أخرى. ويعرض عددًا من الوقائع التي تكشف اهتمامه بألا تُجبر المرأة على الزواج ممن لا ترغب فيه، أو تُحرم من حقوقها بسبب ضعفها أو حيائها.
ومن المواقف التي يوردها أنه استمع إلى امرأة تشكو غياب زوجها عنها بسبب الغزو، فدفعه ذلك إلى إصدار توجيه بألا تطول مدة غياب الأزواج عن زوجاتهم. كما استجاب لشكوى امرأة من زوجها الذي أهمل نظافته ومظهره، مؤكدًا أن من حق الزوجة أن يتزين لها زوجها كما تحب أن تتزين له.
ويستشهد العقاد أيضًا بواقعة اعتراض امرأة على قرار عمر تحديد مهور النساء، مستندة إلى آية قرآنية تجيز إعطاء الزوجة قنطارًا من المال، فما كان منه إلا أن تراجع عن رأيه واعترف بصوابها.
ومن الوقائع التي يبرزها العقاد كذلك موقف عمر من رجل أراد تطليق زوجته لأنه لم يعد يحبها، فنصحه قائلًا: «أوكل البيوت بُني على الحب؟ فأين الرعاية والتذمم؟»، في إشارة إلى أن استمرار الحياة الزوجية لا يقوم على العاطفة وحدها، وإنما يحتاج أيضًا إلى المسؤولية والوفاء.
محاسبة الأبناء قبل الآخرين
لم تكن مكانة أبناء عمر بن الخطاب أو قربهم منه سببًا لاستثنائهم من المحاسبة، وهو ما يبرزه العقاد من خلال واقعة ابنيه عبد الله وعبيد الله، حين استفادا من مال من بيت المال للتجارة، فرفض عمر أن تمر الواقعة دون محاسبة، وأمر برد رأس المال وأرباحه، قبل أن ينتهي الأمر إلى تقسيم الربح وفق صيغة تحفظ حق الدولة وحق الابنين.
ويشير العقاد إلى أن عمر كان شديد الحرص على ألا يستفيد أبناؤه أو أقاربه من نفوذ منصبه، وكان يحذرهم من أن الناس يراقبون تصرفاتهم باعتبارهم أبناء أمير المؤمنين، ويؤكد لهم أنه سيضاعف العقوبة على من يتجاوز منهم حدود الحق.
الوفاء للأصدقاء وتحمل المسؤولية
ويمتد حديث العقاد إلى علاقات عمر بأصدقائه وأقاربه، فيشير إلى شدة وفائه لمن أحبهم، ومن بينهم أخوه زيد، الذي ظل يذكره ويبكيه بعد مقتله، كما ينقل عنه قوله: «لقاء الإخوان جلاء الأحزان»، وقوله: «إذا أصاب أحدكم ودًّا من أخيه فليتمسك به، فقلما يصيب ذلك».
ويختم العقاد ملامح هذه الشخصية بالإشارة إلى حرص عمر على سداد ديونه، حتى في أيامه الأخيرة، إذ أوصى ابنه عبد الله بأن تُقضى من ماله ومال أسرته، ولم يقبل أن يُترك الأمر لبيت المال، رغم اقتراح الاستدانة منه لسداد ما عليه.
ومن خلال هذه المواقف، يرسم العقاد صورة لعمر بن الخطاب لا تقتصر على الحاكم القوي أو صاحب القرار، بل تمتد إلى الأب والزوج والصديق، والرجل الذي كان يراقب نفسه وأهله بقدر ما يراقب شؤون الدولة، ويجعل العدل مبدأ لا يستثني منه المقربين.



