عندما بدأت تجربة دمج بعض أندية المؤسسات مع الأندية الشعبية، كان الهدف يبدو واضحًا ومشروعًا؛ أندية المؤسسات تمتلك الإمكانات والقدرة على الإنفاق والتنظيم، بينما تمتلك الأندية الشعبية ما لا يمكن شراؤه بسهولة، وهو الجمهور والانتماء والوجود الحقيقي داخل الشارع الرياضي. ومن هنا جاءت الفكرة باعتبارها محاولة لصناعة معادلة جديدة تجمع بين قوة المؤسسة وشعبية النادي، بحيث يستفيد كل طرف من إمكانات الآخر.
لكن بعد مرور فترة على التجربة، يبدو أن السؤال أصبح أكثر أهمية من الفكرة نفسها: ماذا تحقق على أرض الواقع؟
فقد شهدت الكرة المصرية حالات دمج مثل إنبي والشرقية، وبتروجيت ومنتخب السويس، وكان المنتظر أن تنتقل جماهير الأندية الشعبية إلى الكيان الجديد، وأن تمنحه حضورًا جماهيريًا يختلف عن الصورة التقليدية لأندية المؤسسات، وفي المقابل تستفيد الأندية الشعبية من الإمكانات الإدارية والمالية والتنظيمية التي تمتلكها المؤسسات.
إلا أن الجماهير، وهي العنصر الأساسي في نجاح هذه التجربة، لم تظهر حتى الآن بالصورة التي كانت مأمولة. فالملعب لا يزال يبحث عن ذلك الحضور الجماهيري الذي كان يفترض أن يكون أحد أهم ثمار الدمج، وهو ما يجعل التجربة، على الأقل حتى الآن، لم تحقق الهدف الأساسي الذي قامت من أجله.
والأمر هنا لا يتعلق فقط بعدد الجماهير في المدرجات، وإنما بفكرة الانتماء نفسها؛ فالجمهور لا ينتقل بالضرورة إلى كيان جديد لمجرد أن ناديه دخل في عملية دمج، لأن الانتماء الرياضي أعمق من اسم على لافتة أو قرار إداري، والجمهور يحتاج إلى وقت حتى يشعر أن الكيان الجديد أصبح بيته الحقيقي وأن تاريخه وهويته لم يختفيا داخل الكيان الجديد.
ومن هنا يمكن القول إن تجربة الدمج لم تؤتِ ثمارها حتى الآن، خصوصًا في الجانب الجماهيري، وهذا لا يعني بالضرورة أن الفكرة محكوم عليها بالفشل، لكنه يعني أن هناك فجوة بين الهدف الذي وُضع للتجربة وبين الواقع الذي نراه في المدرجات.
وربما تحتاج التجربة إلى إعادة تقييم حقيقية، ليس بهدف إلغائها أو مهاجمتها، وإنما لمعرفة أين تعثرت، وكيف يمكن بناء هوية واضحة للكيانات الجديدة، وكيف يشعر جمهور النادي الشعبي أن صوته وتاريخه ومكانته ما زالت موجودة، حتى يصبح الدمج أكثر من مجرد اتفاق إداري أو مالي، ويصبح بالفعل مشروعًا رياضيًا قادرًا على صناعة كيان قوي داخل الملعب وخارجه.
و في النهاية كرة القدم، قد تصنع المؤسسة فريقًا قويًا، وقد تصنع الإدارة مشروعًا ناجحًا، لكن الجمهور هو الذي يمنح النادي روحه؛ ولذلك فإن نجاح أي تجربة دمج لن يُقاس فقط بما يحدث داخل الملعب، وإنما بما يحدث خارجه أيضًا، وما دامت المدرجات لم تستعد نبضها بعد، فإن التجربة ما زالت تبحث عن ثمرتها الحقيقية التجربة حتى الآن تحتاج إلى وقفة صريحة مع النفس؛ فالدمج الذي لا يصنع جمهورًا، ولا يعيد الروح إلى المدرجات، ولا يخلق كيانًا يشعر الناس بأنه يمثلهم، يبقى أقرب إلى دمج إداري منه إلى مشروع رياضي مكتمل الأهداف. والمؤسسات قدمت ما تملكه من إمكانات، لكن السؤال الحقيقي هو: أين ذهبت الشعبية التي كان الدمج يستهدفها؟ لذلك لا يجب أن نخاف من الاعتراف بأن التجربة لم تنجح حتى الآن في تحقيق هدفها الجماهيري، فالنقد هنا ليس هدمًا للفكرة، وإنما محاولة لإنقاذها قبل أن يتحول الدمج من فرصة لصناعة كيانات قوية إلى مجرد تغيير في الأسماء دون تغيير حقيقي في واقع كرة القدم المصرية.


