رفع صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد المصري خلال العام المالي 2025-2026 إلى 5.1%، مقارنة بـ4.4% خلال العام المالي السابق، في مؤشر على تحسن أداء عدد من القطاعات الاقتصادية وتعافي بعض مصادر الإيرادات، رغم استمرار التحديات الإقليمية والضغوط المرتبطة بالتضخم وأسعار الطاقة.
وتأتي التوقعات الجديدة في وقت تسعى فيه مصر إلى تعزيز قدرتها على جذب الاستثمارات الأجنبية، وتوسيع النشاط الإنتاجي، وزيادة مساهمة القطاعات الاقتصادية المختلفة في الناتج المحلي الإجمالي، وسط اضطرابات جيوسياسية قد تؤثر على حركة التجارة العالمية وأسواق الطاقة.
وبحسب تقرير آفاق الاقتصاد العالمي الصادر عن صندوق النقد الدولي، من المتوقع أن يسجل الاقتصاد المصري نموًا بنسبة 4.7% خلال العام المالي 2026-2027، بما يعكس استمرار فرص التحسن الاقتصادي، مع بقاء النتائج الفعلية مرتبطة بالتطورات المحلية والإقليمية.
وأوضحت بيتيا كويفا بروكس، نائبة مدير إدارة الأبحاث بالصندوق، أن رفع توقعات النمو يرتبط بتحسن إيرادات قناة السويس والنفط، وهما من المصادر التي يمكن أن تسهم في دعم النشاط الاقتصادي وتوفير موارد إضافية للاقتصاد المصري.
الاستثمارات والصناعة تدعمان النمو
وفي تعليقه على توقعات صندوق النقد الدولي، قال الخبير الاقتصادي خالد الشافعي إن التوسع في الاستثمارات بمختلف الأنشطة الاقتصادية، وزيادة عدد الشركات، وتوطين صناعات جديدة، تمثل عوامل مهمة لتعزيز معدلات النمو خلال الفترة المقبلة.
وأضاف، في تصريحات خاصة لـCNN بالعربية، أن التوسع في المشروعات الإنتاجية يسهم في زيادة الطاقة الإنتاجية، ونقل التكنولوجيا والخبرات، وخلق فرص جديدة للنشاط الاقتصادي، مشيرًا إلى أن تعزيز التعاون الاقتصادي مع الصين وروسيا وعدد من الدول الآسيوية قد يفتح المجال أمام استثمارات إضافية.
وأوضح الشافعي أن الاضطرابات السياسية والجيوسياسية تدفع بعض المستثمرين إلى البحث عن أسواق تتمتع بقدر أكبر من الاستقرار، وهو ما يمنح مصر فرصًا لجذب استثمارات جديدة، خاصة مع تنوع القطاعات المتاحة أمام المستثمرين.
وأشار إلى أن قطاعات السياحة والتعمير والصناعة والزراعة يمكن أن تؤدي دورًا مهمًا في دعم النمو الاقتصادي، لافتًا إلى أن الموقع الجغرافي لمصر يمثل ميزة تنافسية تتيح لها أن تكون نقطة انطلاق نحو الأسواق الإفريقية.
التضخم وأسعار المحروقات تحت المراقبة
وفيما يتعلق بمعدلات التضخم، حذر الشافعي من أن الضغوط السعرية لا تزال تمثل أحد التحديات أمام الاقتصاد المصري، موضحًا أن التوقعات بوصول التضخم إلى 14.8% تظل مرتبطة بعدد من المتغيرات، أبرزها احتمالات زيادة أسعار المحروقات والكهرباء.
وأكد أن السياسات النقدية التي يتبعها البنك المركزي المصري يمكن أن تسهم في الحد من الضغوط التضخمية، إلا أن ارتفاع الأسعار يظل عاملًا مؤثرًا في القوة الشرائية للمواطنين وتكاليف السلع والخدمات.
وأضاف أن معدل التضخم المتوقع لا يزال أقل من مستويات مرتفعة سجلها الاقتصاد المصري في فترات سابقة، لكنه شدد على أهمية متابعة التطورات المتعلقة بتكاليف الإنتاج والطاقة خلال الفترة المقبلة.
الاحتياطيات الأجنبية تعزز قدرة الاقتصاد على مواجهة الأزمات
من جانبه، اعتبر الخبير الاقتصادي محمد بدرة أن الاستقرار النسبي للاقتصاد المصري وقدرته على التعامل مع الصدمات الخارجية يمثلان عاملين مهمين في دعم الأداء الاقتصادي، سواء فيما يتعلق بالتغيرات في سوق الصرف أو التطورات الإقليمية والدولية.
وأوضح بدرة، في تصريحات خاصة لـCNN بالعربية، أن احتفاظ مصر بمستويات مرتفعة من الاحتياطيات الأجنبية ساعد على تعزيز قدرتها على مواجهة المتغيرات الاقتصادية، مشيرًا إلى أن الأداء الفعلي للاقتصاد جاء أفضل من بعض التقديرات السابقة التي توقعت تعرضه لضغوط أكبر.
وفي المقابل، حذر من أن استمرار التوترات الإقليمية قد ينعكس على آفاق النمو، خصوصًا في ظل التطورات المرتبطة بمنطقة باب المندب وتأثيراتها المحتملة على حركة الملاحة البحرية والتجارة الدولية.
ولفت إلى أن هذه المخاطر ترتبط في الأساس بعوامل جيوسياسية خارجية، موضحًا أن تأثيراتها على الاقتصاد المصري ظلت محدودة إلى حد كبير حتى الآن، مع استمرار الحاجة إلى متابعة تطورات حركة الشحن والتجارة.
تراجع التضخم في المدن المصرية خلال سبتمبر
وبشأن التضخم، أشار بدرة إلى أن أسعار المحروقات تمثل أحد أبرز العوامل المؤثرة في اتجاه الأسعار خلال الفترة المقبلة، إذ يمكن أن تؤدي زيادة تكاليف الوقود إلى ارتفاع نفقات النقل والإنتاج، وهو ما ينعكس بدوره على أسعار السلع والمنتجات التي يتحملها المستهلكون.
ووفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، تراجع معدل التضخم السنوي في المدن المصرية إلى 13.9% خلال سبتمبر 2026، مقابل 14.5% في أغسطس من العام نفسه.
كما أظهرت بيانات البنك المركزي المصري انخفاض معدل التضخم الأساسي إلى 14.1% خلال سبتمبر، مقارنة بـ14.9% خلال أغسطس، في تطور يعكس تراجعًا نسبيًا في الضغوط التضخمية، رغم استمرار ارتفاع مستويات الأسعار.
وأشار بدرة إلى أن احتواء الزيادات المحتملة في أسعار المحروقات والحفاظ عليها عند مستويات قريبة من المستويات القائمة قد يساعد في الحد من انتقال الضغوط إلى أسعار السلع والخدمات.
توقعات النمو العالمي في ظل التوترات الإقليمية
وعلى الصعيد العالمي، توقع صندوق النقد الدولي تباطؤ معدل النمو الاقتصادي إلى 3.1% خلال عام 2026، قبل ارتفاعه إلى 3.4% في عام 2027.
كما رجح الصندوق انكماش النشاط الاقتصادي في منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى بنسبة 0.3% خلال عام 2026، على أن يبدأ التعافي خلال العام التالي، في ظل استمرار التوترات الإقليمية والافتراضات المتعلقة باستمرار إغلاق مضيق هرمز لفترة أطول.
وتعكس هذه التوقعات حجم التحديات التي تواجه الاقتصاد العالمي، وتأثير اضطرابات التجارة والطاقة على معدلات النمو، وهو ما يجعل قدرة الاقتصاد المصري على جذب الاستثمارات، وتنويع مصادر الدخل، وتعزيز الإنتاج المحلي من العوامل المهمة للحفاظ على مسار النمو خلال المرحلة المقبلة.


