ما زلت أتساءل: إلى أين يمضي الأهلي؟ وهل ما زال الزمالك قادرًا على استعادة صورته التي تليق بتاريخه؟ أم أننا أمام مشهد كروي تتغير فيه موازين القوة، بينما لا تزال بعض الأندية الكبيرة تعيش على رصيدها من التاريخ والأسماء والبطولات، دون أن تقدم في الملعب ما يكفي لإقناع جماهيرها بأنها تسير في الطريق الصحيح؟
تعادل الأهلي مع القناة، وفوز الزمالك بصعوبة على بترول أسيوط، ليسا مجرد نتيجتين عابرتين يمكن تجاوزهما بحجة أن مباريات الكؤوس تحمل دائمًا مفاجآت، وإنما هما مناسبتان جديدتان لطرح سؤال أعمق: لماذا لا تنعكس قيمة هذه الأندية وإمكاناتها على مستوى أدائها بالصورة المنتظرة؟ ولماذا أصبحت جماهير القطبين تبحث عن مؤشرات الاطمئنان أكثر مما تحتفل بما تراه داخل الملعب؟
ليس من العدل أن نحكم على فريقين بحجم الأهلي والزمالك من مباراة واحدة، لكن من غير المقبول أيضًا أن نتعامل مع كل تعثر باعتباره استثناءً، إذا كانت الصورة العامة لا تمنحنا ما يكفي من الثقة. فالفارق بين فريق يمر بيوم سيئ وفريق يعاني خللًا في منظومته، هو أن الأول يستطيع العودة سريعًا إلى مستواه، أما الثاني فتتكرر أسئلته وأزماته، وتصبح كل مباراة جديدة اختبارًا لقدرته على إخفاء ما لم تعالجه الإدارة.
الأهلي، بما يملكه من تاريخ وإمكانات وجماهيرية، لا يُطلب منه الفوز فقط، بل تقديم كرة قدم تعكس قيمة ما يملكه من أدوات. فالفوز قد يمنحك ثلاث نقاط، لكنه لا يمنحك بالضرورة فريقًا مقنعًا، كما أن كثرة التعاقدات لا تعني بالضرورة امتلاك فريق متكامل. القضية ليست في عدد اللاعبين الذين تستقدمهم، بل في مدى احتياجك إليهم، وقدرتك على توظيفهم، ومدى انسجامهم مع فلسفة فنية واضحة.
والأمر نفسه ينطبق على الزمالك؛ فصعوبة الفوز على منافس أقل إمكانات ليست عيبًا في حد ذاتها، لكن تكرار الأداء الذي يفتقد السيطرة والوضوح يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول شكل الفريق، ومدى قدرته على فرض شخصيته، وحقيقة ما تحقق من تطور فني.
وفي مقابل هذه الصورة، يلفت بيراميدز الانتباه بوصفه الفريق الأكثر إقناعًا في قراءتنا للمشهد الحالي؛ ليس لمجرد نتيجة يحققها أو مباراة يفوز بها، وإنما لما يبدو عليه من توازن في التعاقدات واستقرار في بناء الفريق من موسم إلى آخر. وهذه نقطة تستحق التوقف عندها، لأن النجاح الحقيقي لا يبدأ يوم المباراة، بل يبدأ قبلها بأشهر، حين تعرف الإدارة ما تحتاج إليه، وتحدد أولوياتها، وتختار عناصرها وفق رؤية، لا وفق ردود الأفعال.
وجاءت نتائج امس لتمنح هذه القراءة مزيدًا من الوجاهة؛ فالزمالك كرر فوزه على الجيش الرواندي بهدف نظيف، لكنه احتاج إلى الاكتفاء بهدف مبكر، رغم الفرص التي أتيحت له، ليحسم التأهل دون أن يقدم أداءً هجوميًا يعكس تفوقًا مريحًا. وفي المقابل، حقق بيراميدز فوزًا عريضًا برباعية، في صورة تعكس الفارق بين مجرد حسم المواجهة والقدرة على فرض السيطرة وترجمة الأفضلية إلى أهداف. وبالطبع، لا تكفي مباراة واحدة للحكم النهائي على أي فريق، لكن حين تأتي النتائج امتدادًا لملاحظات سابقة حول الأداء والاستقرار، فإنها تتحول إلى مؤشرات تستحق التوقف أمامها، لا مجرد أرقام تُضاف إلى سجل الانتصارات.
التعاقدات ليست سباقًا لإعلان أسماء لامعة، ولا دليلًا على النجاح بمجرد ارتفاع قيمتها المالية. النجاح هو أن تتعاقد مع اللاعب الذي تحتاج إليه فعلًا، في المركز الذي تعاني فيه نقصًا، وأن تحافظ على الهيكل الأساسي للفريق، وتمنح الجهاز الفني فرصة لبناء الانسجام، بدلًا من إعادة تشكيل الفريق مع كل موسم وكأن العمل يبدأ من الصفر.
وهنا تظهر قيمة الاستقرار؛ فهو لا يعني الجمود أو رفض التغيير، وإنما يعني أن يكون التغيير مدروسًا، وأن تكون هناك هوية واضحة للنادي، وخطة لا تتبدل مع كل نتيجة، وإدارة تعرف متى تدعم ومتى تحاسب، ومتى تمنح الوقت، ومتى تتدخل لتصحيح المسار.
لكن التفوق في هذه المرحلة لا يعني أن بيراميدز حسم معركة البطولات، ولا أن الأهلي والزمالك فقدا قدرتهما على العودة. فالموسم طويل، والاختبار الحقيقي هو الاستمرارية تحت ضغط المنافسة، والقدرة على التعامل مع الإصابات والتراجع والضغوط الجماهيرية. ومع ذلك، فإن من يريد المنافسة على القمة عليه أن يتعلم من أي تجربة تقدم نموذجًا أكثر اتزانًا في التخطيط والتنفيذ.
إن كرة القدم الحديثة لا تعترف بالتاريخ وحده، ولا تمنح الألقاب لمن يملك الشعبية الأكبر، وإنما تكافئ من يحسن إدارة موارده، ويعرف كيف يحول الإمكانات إلى أداء، والأسماء إلى فريق، والطموح إلى مشروع قابل للاستمرار.
ويبقى السؤال الذي لا يجوز أن نهرب منه: هل يدرك الأهلي والزمالك أن المنافسة لم تعد تُحسم بأسمائهما وحدها؟ وهل يستطيع كل منهما مراجعة أخطائه بشجاعة، بعيدًا عن تبرير النتائج أو الاحتماء بالماضي؟
فالجماهير لا تطلب المستحيل، لكنها تستحق أن ترى ملامح مشروع واضح، وفريقًا يعرف ماذا يريد داخل الملعب، وإدارة تتحمل مسؤولية قراراتها. أما بيراميدز، فإن أراد تحويل صورته الحالية إلى مكانة راسخة في الكرة المصرية، فعليه أن يترجم هذا الاستقرار إلى بطولات واستمرارية، لا أن يكتفي بكونه الطرف الأكثر إقناعًا في بعض مراحل المنافسة.
فالتاريخ يمنحك مكانتك، لكن الحاضر هو الذي يثبت أنك تستحقها، والمستقبل لا يصنعه اسم النادي، بل عقلية من يديرونه وجودة ما يقدمونه داخل الملعب



