أجرى شريف فتحي، وزير السياحة والآثار، اليوم الاثنين 26 أكتوبر 2026، جولة تفقدية بمنطقة آثار سقارة، لمتابعة أعمال البعثة الأثرية التابعة للمعهد التشيكي لعلم المصريات، والاطلاع على أحدث ما توصلت إليه من اكتشافات ونتائج الحفائر والدراسات العلمية وأعمال الترميم.
وشملت الجولة تفقد مقبرتي «سابو» وابنه «بتاح شبسس»، وهما من الشخصيات البارزة التي تقلدت مناصب مهمة خلال عصر الدولة القديمة، حيث استمع الوزير إلى شرح حول التفاصيل المعمارية والنقوش والمناظر التي تم الكشف عنها داخل المقبرتين.
وكان من أبرز الاكتشافات التي اطلع عليها وزير السياحة والآثار، العثور لأول مرة على مقصورة قرابين خاصة بـ«إيخت نفرت»، زوجة سابو، إلى جانب باب وهمي يحمل مناظر تجمعها بزوجها وابنيهما «بتاح شبسس» و«رع نفر»، وهو ما يوفر معلومات جديدة حول الحياة الأسرية والعلاقات الاجتماعية داخل عائلات كبار المسؤولين في مصر القديمة.
كما تفقد الوزير حجرة دفن «بتاح شبسس»، والتي تم الوصول إليها عبر ممر هابط ضخم من الناحية الشرقية، حيث عثرت البعثة داخلها على تابوت من الحجر الجيري يضم بقايا رفاته.
وأكد شريف فتحي أهمية استمرار أعمال البحث والتنقيب الأثري، مشددًا على ضرورة دعم البعثات المصرية والأجنبية العاملة في مختلف المواقع الأثرية، وتعزيز التعاون العلمي مع المؤسسات البحثية الدولية، بما يسهم في تبادل الخبرات ورفع كفاءة العاملين في مجال الآثار والحفاظ على التراث المصري.
من جانبه، أوضح الدكتور هشام الليثي، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، أن أعمال البعثة التشيكية تكتسب أهمية خاصة، نظرًا لإعادة الكشف عن مقابر لم تستكمل أعمال التنقيب بها منذ القرن التاسع عشر، وهو ما أتاح إعادة دراستها وتوثيقها باستخدام تقنيات وأساليب علمية حديثة.
وأشار إلى أن أعمال الكشف الأولى عن هذه المقابر بدأت خلال الفترة من 1858 إلى 1860 على يد عالم الآثار الفرنسي أوغست مارييت، مؤسس مصلحة الآثار المصرية، الذي اكتشف في ذلك الوقت نحو 160 مقبرة تنتمي إلى عصور مختلفة من الدولة القديمة، إلا أن الحفائر لم تشمل جميع أجزائها، قبل أن تغطي الرمال أجزاء كبيرة منها مرة أخرى.
وأوضح الدكتور ميروسلاف بارتا، رئيس البعثة الأثرية التشيكية، أن مقبرة سابو تقع إلى الشمال من مقبرة نجله، وتبلغ أبعادها نحو 54 مترًا طولًا و28 مترًا عرضًا، بينما يُقدر ارتفاعها الأصلي بنحو خمسة أمتار.
وتتميز المقبرة بواجهات ذات زخارف معمارية تحاكي واجهات القصور الملكية، فيما تضم مقصورة القرابين نقوشًا بارزة بحالة حفظ جيدة، تصور سابو وابنه بتاح شبسس أثناء الإشراف على مواكب حاملي القرابين.
كما نجحت البعثة في تحديد موقع مقبرة بتاح شبسس من جديد، اعتمادًا على صور الأقمار الصناعية ونتائج المسح الميداني، وتبلغ مساحة المقبرة أكثر من 900 متر مربع، وتضم حجرة للقرابين ومدخلًا مزينًا بنقوش تصور مشاهد تقديم القرابين وذبح الأضاحي.
وقال محمد عبد البديع، رئيس قطاع الآثار المصرية بالمجلس الأعلى للآثار، إن أعمال التنقيب كشفت عن حجرة دفن بتاح شبسس، التي تقع في نهاية ممر هابط كبير من الجهة الشرقية، مؤكدًا العثور على تابوت من الحجر الجيري داخل الحجرة، إلى جانب بقايا صاحب المقبرة.
وأوضح أن بتاح شبسس شغل عددًا من المناصب الرفيعة خلال عهد أربعة ملوك من الأسرة الخامسة، وهم ساحورع، ونفر إير كارع، ورع نفر إف، ونيوسررع، وهو ما يعكس المكانة الإدارية والسياسية التي تمتع بها خلال تلك الفترة.
وتشير الدراسات الأثرية إلى أن بتاح شبسس كان أول مسؤول من خارج العائلة الملكية يتزوج من أميرة مصرية، وهي الأميرة «خع ماعت»، ابنة الملك أوسركاف، مؤسس الأسرة الخامسة، الأمر الذي يعكس مكانته الاستثنائية داخل المجتمع المصري القديم.
وكشفت الدراسات الأنثروبولوجية التي أجراها فريق من العلماء المصريين على بقايا المومياء أن بتاح شبسس عاش لأكثر من 60 عامًا، وهو عمر متقدم وفقًا لمعايير تلك الحقبة، كما يتوافق مع المعلومات التي وردت في نقوش سيرته الذاتية.
وتواصل البعثة التشيكية حاليًا أعمال الحفائر والدراسة والترميم داخل المقبرتين، بالتوازي مع استكمال البحث عن بقية مقابر الجبانة التي اختفت معالمها تحت الرمال على مدار قرون، بهدف الوصول إلى معلومات جديدة حول حياة كبار رجال الدولة والكهنة والعمارة الجنائزية خلال عصر الدولة القديمة.



