في تطور لافت يعكس التحولات المتسارعة في سوق الطاقة العالمية، بدأت قطر، إحدى أبرز القوى المصدرة للغاز الطبيعي المسال، في اللجوء إلى استيراد شحنات من الغاز المسال الأمريكي، في خطوة بدت قبل سنوات بعيدة عن التوقعات، لكنها أصبحت واقعًا فرضته تداعيات الحرب الدائرة في المنطقة والاضطرابات التي طالت حركة الملاحة عبر مضيق هرمز.
وتزامن هذا التحول مع توسع الولايات المتحدة في إنتاج وتصدير الغاز الطبيعي المسال، مستفيدة من تراجع الإمدادات القادمة من منطقة الخليج العربي، الأمر الذي دفع واشنطن إلى صدارة قائمة كبار مصدري الغاز المسال عالميًا خلال الربع الثالث من عام 2026.
وشهد الأسبوع الماضي تحركات قطرية واضحة نحو تأمين إمدادات أمريكية، إذ أبرمت شركة «قطر للطاقة» اتفاقًا طويل الأجل مع شركة «شينيير» الأمريكية لشراء نحو 4 ملايين طن سنويًا من الغاز الطبيعي المسال.
كما ترددت أنباء عن دخول الشركة القطرية في مفاوضات مع «وودسايد إنرجي» للحصول على كميات من محطة غاز مسال قيد الإنشاء في ولاية لويزيانا الأمريكية، إلى جانب محادثات مع شركة «فينشر جلوبال» لشراء ما لا يقل عن 3 ملايين طن سنويًا بموجب اتفاق طويل الأجل.
ولم تتوقف التحركات القطرية عند العقود المستقبلية، إذ بدأت «قطر للطاقة» في الاعتماد على شحنات فورية من الغاز الأمريكي لتلبية احتياجات بعض العملاء، في ظل استمرار القيود المفروضة على حركة السفن في مضيق هرمز بسبب تداعيات الحرب مع إيران.
وتأتي هذه الخطوة في وقت كانت قطر تستعد فيه لتعزيز موقعها كأكبر لاعب عالمي في تجارة الغاز الطبيعي المسال، عبر تنفيذ خطط ضخمة لتوسعة حقل الشمال. وكانت الدوحة تستهدف رفع طاقة إنتاج الغاز المسال إلى نحو 126 مليون طن سنويًا بحلول عام 2027، مقارنة بنحو 77 مليون طن سنويًا في السابق.
إلا أن التطورات الأمنية في المنطقة أعادت رسم خريطة سوق الغاز العالمية بصورة مفاجئة، بعدما أثرت اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز على صادرات دول الخليج، ومن بينها قطر.
ووفق بيانات حديثة، تصدرت الولايات المتحدة قائمة أكبر الدول المصدرة للغاز الطبيعي المسال خلال الربع الثالث من 2026، بصادرات بلغت نحو 31.04 مليون طن، بزيادة قدرها 4.31 مليون طن مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
في المقابل، تراجعت صادرات قطر بصورة حادة خلال الفترة ذاتها، وسط تداعيات اضطراب الملاحة في المنطقة، ما سمح للغاز الأمريكي بالاستحواذ على حصة أكبر من الأسواق العالمية.
ويعكس هذا التحول توجهًا أمريكيًا متزايدًا نحو تعزيز مكانة الغاز الطبيعي المسال في الأسواق الدولية، بالتزامن مع سياسة إدارة الرئيس دونالد ترامب الداعمة للتوسع في إنتاج الوقود الأحفوري، وخاصة النفط والغاز.
وكان وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت قد أكد في وقت سابق أن إدارة ترامب تستهدف تعزيز موقع الولايات المتحدة لتصبح أكبر منتج ومصدر للغاز الطبيعي المسال عالميًا، مع توقعات بزيادة كبيرة في قدرات التصدير خلال السنوات المقبلة، بالتزامن مع دخول منشآت جديدة الخدمة وتوسعة منشآت قائمة.
وبذلك، تحولت السوق العالمية للغاز المسال خلال أشهر قليلة إلى ساحة جديدة للمنافسة بين الولايات المتحدة ودول الخليج، فيما أصبحت قطر، التي كانت تاريخيًا من أبرز مصدري الغاز، مضطرة إلى تنويع مصادر إمداداتها لتلبية التزاماتها تجاه العملاء في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها المنطقة.
ويشير هذا المشهد إلى أن الحرب لم تقتصر تداعياتها على الجوانب العسكرية والسياسية، وإنما امتدت بقوة إلى أسواق الطاقة، لتعيد ترتيب موازين القوى في تجارة الغاز الطبيعي المسال، وتمنح الولايات المتحدة فرصة غير مسبوقة لتعزيز نفوذها في سوق الطاقة العالمية.



