لم تكن كلمات الكابتن محمود الخطيب، رئيس النادي الأهلي، التي أطلقها خلال حفل تكريم أبطال إفريقيا لكرة اليد، مجرد رسالة عابرة للاعبي كرة القدم، حين أكد أن أي لاعب يرتدي قميص الأهلي ولا يكون مخلصًا له، لا يلوم إلا نفسه. فالكلمات، حين تصدر عن رئيس نادٍ بحجم الأهلي، وفي توقيت كهذا، وبلهجة لا تحتمل كثيرًا من التأويل، تستحق أن نتوقف أمامها طويلًا، ليس فقط لفهم ما قيل، وإنما لقراءة ما وراء الكلمات.
أول ما يلفت الانتباه أن الرسالة جاءت من قمة الهرم الإداري في النادي، وليس من مدير الكرة أو المدير الفني. وهنا يبرز السؤال: هل وصل الأمر إلى درجة تستدعي تدخل رئيس النادي بنفسه لتذكير اللاعبين بقيمة القميص الذي يرتدونه؟ وهل أصبح الخلل أكبر من أن تعالجه التعليمات اليومية داخل غرفة الملابس، أو المحاسبة الفنية التي يفترض أن يتولاها الجهاز الفني، أو الإجراءات الانضباطية التي تقع ضمن مسؤوليات مدير الكرة؟
بالطبع، لا يمكننا الجزم بأن الخلل تجاوز هذه المستويات بالفعل، لكن مجرد صدور رسالة بهذه الصراحة يفرض علينا التساؤل عن الأسباب التي جعلت رئيس الأهلي يرى ضرورة توجيهها علنًا. فالأندية الكبرى لا تُدار بردود الأفعال، وإنما بمنظومة واضحة تعرف كيف تحدد مسؤولياتها، وتكتشف الخلل مبكرًا، وتعالج أسبابه قبل أن يتحول إلى أزمة تتصدر المشهد.
أما الدلالة الثانية، فهي مكان التصريح نفسه. لم يتحدث الخطيب إلى لاعبيه في اجتماع مغلق، ولم يوجه إليهم رسالة داخل غرفة الملابس بعيدًا عن أعين الجماهير، وإنما اختار مناسبة عامة، خلال احتفال بتكريم أبطال حققوا إنجازات قارية للنادي. وهذا الاختيار يمنح الكلمات بُعدًا إضافيًا؛ فالرسالة لم تعد موجهة إلى اللاعبين وحدهم، بل أصبحت موقفًا معلنًا أمام جماهير الأهلي، التي تنتظر من فريق كرة القدم ما يتناسب مع تاريخ ناديها وإمكاناته وطموحاتها.
وهنا تبرز مفارقة تستحق التأمل؛ ففي الوقت الذي يحتفل فيه الأهلي بأبطال يرفعون اسمه على منصات التتويج، يجد رئيس النادي نفسه مضطرًا إلى توجيه تحذير للاعبي كرة القدم بشأن الإخلاص للقميص. وكأن المشهد يجمع بين صورتين مختلفتين داخل الكيان الواحد: صورة تقدم الدليل على أن الاجتهاد والانضباط قادران على صناعة الإنجاز، وصورة أخرى تحتاج إلى التذكير بقيمة المسؤولية وما تفرضه من التزامات.
ثم تأتي لهجة التصريح لتزيد من أهميته. فعبارة «لا يلوم إلا نفسه» ليست مجرد عتاب، ولا تبدو كدعوة تقليدية إلى بذل مزيد من الجهد، وإنما تحمل معنى واضحًا مفاده أن ارتداء قميص الأهلي ليس حقًا مكتسبًا يستمر مهما كان الأداء، وأن اسم النادي وتاريخه لا يمنحان أحدًا حصانة من المحاسبة.
وهذه نقطة جوهرية؛ لأن اللاعب الذي يرتدي قميص نادٍ بحجم الأهلي لا يمثل نفسه فقط، وإنما يتحمل مسؤولية شعار وجماهير وتاريخ. والاحتراف الحقيقي لا يُقاس بما يحصل عليه اللاعب من مقابل مادي، ولا بما يمتلكه من شهرة أو موهبة، وإنما بقدرته على الوفاء بالتزاماته، واحترام قميص فريقه، وبذل أقصى ما لديه حتى في أصعب الظروف.
لكن الإنصاف يقتضي هنا التمييز بين غياب الإخلاص، والتراجع الفني، والأخطاء التي قد يقع فيها أي لاعب. فليس كل إخفاق دليلًا على عدم الانتماء، وليس كل خطأ فني يستوجب التشكيك في النوايا. قد يجتهد اللاعب ويخطئ، وقد يمر بفترة تراجع يحتاج خلالها إلى الدعم والتصحيح، لكن المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يتحول التقصير إلى سلوك متكرر، أو يغيب الالتزام، أو يشعر اللاعب أن مكانه مضمون مهما كان ما يقدمه داخل الملعب.
ومن هنا تأتي أهمية المحاسبة العادلة؛ محاسبة لا تتأثر بالأسماء الكبيرة، ولا تخضع لقيمة العقود، ولا تمنح النجومية امتيازًا على حساب مصلحة الفريق. فمن لا يقدم المستوى المطلوب يجب أن يخضع للتقييم الفني، ومن يثبت تقصيره في واجباته يجب أن يتحمل نتيجة ذلك، أما إطلاق الأحكام على النوايا دون أدلة، فلا يخدم النادي ولا يساعد على إصلاح الخلل.
أما توقيت الرسالة، فيحمل دلالته الأوضح. فقد جاء التحذير بعد تعادل الأهلي مع القناة بثلاثة أهداف لكل فريق، في مباراة كشفت عن مشكلات تستحق التوقف أمامها، خصوصًا أن الفريق لم يكن قد أقنع جماهيره في أكثر من ظهور خلال الفترة الأخيرة. وعندما تتكرر علامات الاضطراب، لا يعود من المنطقي التعامل مع كل مباراة باعتبارها واقعة منفصلة، أو الاكتفاء بتبرير النتيجة بظروف اللقاء.
الأهلي لا يعاني فقط عندما يخسر النقاط، وإنما عندما يفقد الأداء استقراره، وتصبح الأخطاء متكررة، ويشعر الجمهور بأن الفريق لا يقدم المستوى الذي تتطلبه إمكاناته. فالتعادل قد يكون نتيجة طبيعية في كرة القدم، لكن تكرار الأداء غير المقنع يفرض مراجعة أعمق من مجرد حسابات النقاط.
وهنا لا بد أن تمتد المراجعة إلى جميع عناصر المنظومة، من الإدارة الرياضية إلى مدير الكرة والجهاز الفني واللاعبين. فالمسؤولية لا ينبغي أن تتوقف عند اللاعب وحده، مهما كانت أهمية انضباطه وإخلاصه. الإدارة مسؤولة عن توفير منظومة مستقرة، ومدير الكرة مسؤول عن فرض الانضباط ومتابعة الالتزام، والجهاز الفني مسؤول عن إعداد الفريق وتطوير أدائه واختيار العناصر الأكثر جاهزية، واللاعب مسؤول عن تنفيذ واجباته وتقديم أقصى ما يستطيع.
إن التحذير قد يكون بداية ضرورية لتصحيح المسار، لكنه لن يكون كافيًا بمفرده ما لم يتحول إلى إجراءات واضحة، ومعايير عادلة، ومحاسبة حقيقية، وقرارات تتناسب مع حجم التقصير المثبت، أيًّا كان اسم صاحبه أو مكانته داخل الفريق.
فالأهلي أكبر من أي لاعب، وأكبر من أي مسؤول، وتاريخه لا يُصان بالشعارات وحدها، وإنما بمنظومة تعرف كيف تحافظ على قيمه، وكيف تفرض الانضباط دون ظلم، وكيف تمنح الفرصة للمجتهد، وتحاسب المقصر، وتضع مصلحة النادي فوق كل اعتبار.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل كانت رسالة الخطيب مجرد تحذير أخير للاعبين، أم أنها تعكس ضرورة مراجعة أوسع لمنظومة كرة القدم داخل الأهلي؟ الإجابة لن تحددها التصريحات، وإنما ما ستكشف عنه المباريات المقبلة من تغيير حقيقي في الأداء، وما ستثبته القرارات من أن المحاسبة ليست كلمات تُقال أمام الجماهير، بل مبدأ يُطبق على الجميع دون استثناء.
فالأهلي الذي اعتاد أن يصنع الفارق بشخصيته لا يكفيه أن يطالب لاعبيه بالإخلاص، بل يحتاج إلى منظومة تجعل الإخلاص والانضباط والاجتهاد شروطًا ثابتة للاستمرار، لا مجرد عناوين تستدعيها الأزمات



