في قلب شقة مصرية قديمة، ليها شبابيك خشب أرابيسك أصيلة، بتدخل منها نسمة هواء محملة بريحة القاهرة العتيقة وحكايات الأزقة القديمة. جوه الحيطان دي، مفيش حاجة ثابتة على حالها؛ المكان بينبض بغموض غريب اول ما تحط رجلك جواها، لأن اول شخص هتقابله هى ‘رافن’ – زوجة الأب – بعيونها اللي بتراقب كل حركة كأنها بتحفر جوه عقلك.
النهارده كان اليوم الموعود؛ اليوم اللي قرروا فيه يروحوا يزوروا أبوهم في بيته الجديد بعد جوازه، ويشوفوه ويشوفوها لأول مرة. امشي بعينك جوه الصالة، وقرب من الصالون المصري التقليدي؛ حيث “النيش” بأطباق الصيني العادية اللي محطوطة بترتيب، ومتداري جواها وجنبها عرايس “سبوع” صغيرة ومريبة… عرايس مش طبيعية، بتبص للي رايح واللي جاي بعيون سوداء كبيرة وواسعة أكتر من المعتاد، بتراقب في صمت يخوف وكأنها شايفه اللي مبيتشافش!
هناك، وسط هيبة الأب اللي وقع في حبائلها، كانت “هند” بتحاول تحضن إخواتها الثلاثة “جلال” و”مازن” و”آدم”، اللي لقوا نفسهم فجأة جوه كابوس حي ميطلعش منه سليم.
الموضوع مكنش مجرد غلاسة زوجة أب عادية، دي كانت لُعبة سحر أسود وخبث مدفون، بتلعب في العقول، وتزرع الشك والفرقة بين الأخوات، وتحول البيت اللي كان دافي لمصيدة مسدودة ريحتها الموت.
أول ما الليل يليل، والباب يتقفل، والأنوار تطفي، وتتلف خيوط اللعبة حوالين الرقاب، السؤال الأرعب اللي بيخبط على الباب ومحدش هيهرب منه:
يا ترى هيقدروا ينجو بجلدهم، ولا الشقة دي هتاكلهم واحد ورا التاني وتبلع أرواحهم للابد؟
إوعى تلتفت وراك… اللعبة ابتدت بجد
________________
الفصل الأول: عتبة مقفولة.. وريحة بخور قديم

الساعة كانت تمشي ببطء يهدّ الحيل.. الشقة اللي المفروض إنها بيت أبونا، بقيت بالنسبة لنا أشبه بـ “غرفة تحقيق” مش مكان نزوره.
كل مرة نتحرك فيها رايحين ناحية بيت أبويا، كنت بحس بحجر تِقيل محطوط على صدري. مش عشان أبويا.. لا، أبويا ده حكايته حكاية تانية، راجل غلبان وطيب، وعايش في دنيا تانية لوحده، بس مراته الجديدة.. الست دي كابوس.
إحنا مش عايشين معاها، يادوب بنروح نزوره كام ساعة في الأسبوع، من غير بيات ولا قعدة طويلة، ومع ذلك.. مكنتش سايبانا في حالنا!
دست على الجرس وأنا باخد نفسي بصعوبة.. ثواني والباب اتفتح.
ظهرت وشها بابتسامة واسعة.. واااااسعة زيادة عن اللزوم، ابتسامة مرسومة بمسطرة مش طالعة من القلب:
— “يا أهلاً! منورين بيتكم .. أبوكم جوه نايم بس هيصحى حالا، أدخلوا ادخلوا!”
خطيت العتبة.. وبمجرد ما رجلي دخلت جوه الصالة، حسيت ببرودة غريبة نفخت في رقبتي رغم إن الجو بره كان حر، ورائحة بخور قديمة.. ريحة عفن وحاجة محروقة لازقة في حيطان الشقة المدهونة جديد. بصيت بسرعة للصالة.. الكراسي مترتبة بطريقة تخلي أي حد قاعد فيها مكشوف لكل زاوية، وفي وشنا.. “النيش”.
النيش ده كان لوحده قصة مرعبة؛ مليان تماثيل ولعب صغيرة قديمة محطوطة بتفصيل غريب. ولمحت بعيني.. تمثال صغير بملامح مشوهة، عينيه متوجهة بالظبط على الكرسي اللي أنا متعودة أقعد عليه!
— “أعملكم عصير ولا تشربوا شاي من ايدي؟” قالتها وهي بتتحرك بخفة غريبة وماتور مبيوقفش، كأنها بتتحرك في بيتها لوحدها.. بس عينيها.. عينيها كانت بتلمع بلمعة ذئب لقى فريسته.
قعدنا.. وأنا عيني مش بتبطل تلف في الشقة. جسمي كله بيترعش من غير سبب، كأن فيه حاجة خفية قاعدة جنبنا على الكنبة.. بتتنفس معانا، وبتعد أنفاسنا.
قربت علينا بصينيه فيها كاسات العصير، حطتها قدامنا بحنية مزيفة: “يلا، بالهنا والشفا.. أشربوا، دي حاجة كده على السريع تفوقكم.”
مسكت الكاس.. وبصيت لخدود إخواتي اللي كانوا قاعدين ساكتين، وشهم باهت كأن الحياة مسحوبة منهم.. مكنتش أعرف ساعة ما حطيت الكأس على شفايفي، إن دي مش مجرد لقمة.. دي كانت “الرصاصة الأولى” اللي هتدمر حياتنا إحنا الأربعة، وتخلي البيت عندنا.. يتحول لجهنم حقيقية!
___________________



