ليست كل القلوب التي تبدو صامتة… باردة، ولا كل الأبواب المغلقة تخفي خلفها غرورًا أو تعاليًا، فبعض القلوب حين تُغلق، لا تفعل ذلك لأنها لم تعد تشعر، بل لأنها شعرت أكثر مما ينبغي، وتألمت أكثر مما تحتمل، حتى صار الفتح مخاطرة، وصار القرب مغامرة غير مضمونة العواقب.
هناك قلوب لم تكن يومًا تعرف معنى الحذر، كانت تُفتح على اتساعها، تستقبل الجميع بلا شروط، تمنح بلا حساب، وتصدق بلا خوف، حتى اكتشفت متأخرة أن النوايا لا تُقرأ من الوجوه، وأن الطيبة وحدها لا تحمي من الخذلان، وأن بعض من دخلوا بسلام… تركوا خلفهم فوضى لا تُرتب.
ومع كل تجربة مؤلمة، لم تكن القلوب تُغلق فجأة، بل كانت تُغلق تدريجيًا، بابًا بعد باب، شعورًا بعد شعور، حتى وجدت نفسها في النهاية محاطة بجدران سميكة من الحذر، لا تمنع الحب… لكنها تؤجله، ولا ترفض القرب… لكنها تختبره ألف مرة قبل أن تسمح له بالعبور.
ولأن الناس ترى فقط النتيجة، فإنهم كثيرًا ما يسيئون الفهم، فيصفون تلك القلوب بالغرور، أو بالبرود، أو حتى بالقسوة، دون أن يدركوا أن خلف هذا الصمت تاريخًا طويلًا من المحاولات الصادقة التي لم تُقابل إلا بخيبات متكررة، وأن وراء هذا التماسك الظاهري… قلبًا كان يومًا أكثر دفئًا مما يتخيلون.
فالحقيقة التي لا تُقال كثيرًا… أن بعض القلوب لا تُغلق لأنها لا تريد أحدًا، بل لأنها لم تعد تحتمل فكرة أن تُكسر مرة أخرى، وأنها حين اختارت البعد، لم تكن تهرب من الناس، بل كانت تحاول إنقاذ ما تبقى منها.
وربما كان أقسى ما في الأمر، أن تلك القلوب، رغم حذرها، ما زالت تتمنى أن يأتي شخص مختلف، شخص لا يطرق الباب بعنف، ولا يقتحم المشاعر باندفاع، بل يقف بصبر، ويثبت بصدق، ويُعيد إليها الإيمان بأن ليس كل الطرق تنتهي بالخذلان. لا تحكموا على القلوب من أبوابها المغلقة، فبعض الأبواب لم تُغلق لتُبعدكم، بل أُغلقت لتحمي ما بداخلها من الانهيار، وبعض القلوب التي تبدو بعيدة… لم تتغير، لكنها فقط تعبت من أن تكون دائمًا الطرف الذي يُجرب، ويُصدق، ويُسامح، ثم يُؤلم، حتى أدركت متأخرة أن النجاة أحيانًا ليست في أن نجد من نحب… بل في أن نحافظ على ما تبقى منا بعد أن خذلتنا كل الاحتمالات. في النهاية – لا أحد يُغلق قلبه لأنه لا يريد الحب، بل لأنه خاف أن يعيشه مرة أخرى بنفس البراءة التي دفع ثمنها ألمًا، فبعض القلوب لم تتعلم القسوة، لكنها تعلمت الحذر بعد أن دفعت من روحها أكثر مما ينبغي، وبعد أن أدركت أن الوجع حين يتكرر… لا يصبح أخف، بل يصبح أعمق وأهدأ وأكثر قدرة على البقاء.
الخوف من الأوجاع الجديدة ليس ضعفًا كما يظن البعض، بل هو ذاكرة ممتلئة بتفاصيل لا تُنسى، ذاكرة تحتفظ بنبرة صوت تغيرت، وباهتمام كان يملأ الأيام ثم اختفى، وبوعود قيلت بثقة ثم سقطت في أول اختبار، وكأن القلب لم يعد يخشى الألم نفسه… بل يخشى أن يمر بنفس الرحلة مرة أخرى، بنفس الشغف، ونفس النهاية.
ولهذا، حين يتردد القلب قبل أن يفتح بابه، فهو لا يتكبر، بل يحاول أن يحمي ما تبقى منه، يحاول أن يُبقي جزءًا صالحًا للحياة، لأن بعض الأوجاع لا تُكسر الإنسان في لحظتها، بل تُرهقه مع الوقت، تُفقده ثقته في نفسه قبل الآخرين، وتجعله يقف أمام أي شعور جديد وكأنه يسأل: هل يستحق أن أخاطر بسلامي من أجله؟
وربما الحقيقة الأكثر وجعًا… أن هذه القلوب، رغم كل ما مرت به، لا تزال قادرة على الحب، لكنها لم تعد قادرة على احتماله إذا جاء ناقصًا، أو مؤقتًا، أو بلا ضمان، فهي لا تبحث عن الكمال، بل عن الأمان، لا تريد وعودًا كبيرة، بل ثباتًا صغيرًا لا يتغير، لا تريد بداية مبهرة، بل نهاية لا تُشبه ما سبقها من خذلان.
لذلك، إن صادفت قلبًا حذرًا… فلا تحاول كسره باسم الحب، ولا تستعجل دخوله، لأن القلوب التي أغلقت أبوابها خوفًا من الأوجاع، لا تُفتح بالكلمات، بل تُفتح بالأفعال التي لا تتغير، وبالصبر الذي لا يمل، وبالصدق الذي لا يتبدل، حتى يطمئن ذلك الخوف القديم… ويقتنع أخيرًا أن ليس كل الطرق تنتهي بالألم، وأن بعض الأبواب حين تُفتح من جديد… لا تكون بداية لوجع آخر، بل نجاة تأخرت كثيرًا.



