تفتح الباحثة اللبنانية لينا الجمال نافذة جديدة على عالم الأحلام والرؤى من خلال كتابها «المنام والسجن وحجرة ابن الهيثم: قراءة جديدة للفضاء في الحضارة العربية»، الصادر حديثًا عن مركز أبوظبي للغة العربية ضمن سلسلة «البصائر للبحوث والدراسات»، حيث تقدم قراءة مختلفة لمكانة المنام في التراث العربي والإسلامي، وعلاقته بالفضاء وتأثيره في طريقة الإنسان في رؤية العالم.
وتنطلق الجمال من مفارقة أساسية تتمثل في قدرة الإنسان على تجاوز حدود المكان أثناء النوم، فبينما يبقى الجسد داخل مساحة محدودة، تنطلق المخيلة خلال المنام إلى عوالم واسعة تتجاوز قيود الواقع والحواس. ويقابل الكتاب بين فضاء المنام المفتوح والسجن باعتباره مكانًا مغلقًا، قبل أن يصل هذا التصور بتجربة العالم العربي البارز الحسن بن الهيثم داخل الحجرة المظلمة، وأبحاثه المرتبطة بالضوء والإبصار.
وتتوزع الدراسة على خمسة أقسام، تتناول خلالها الباحثة مجموعة من المنامات وكتب تعبير الرؤى التي ظهرت في القرون الهجرية الأولى، بهدف إعادة قراءة مفهوم الفضاء داخل الحضارة العربية الإسلامية. كما تبحث في عدد من الممارسات المرتبطة بالأحلام، وتقارنها بطقوس عرفتها حضارات قديمة، إلى جانب دراسة تأثير الأماكن المغلقة والسجون في الأحلام التي يراها أصحابها.
وتولي الجمال اهتمامًا خاصًا بنشأة علم تعبير الرؤى، وانتقاله من الرواية الشفهية إلى مرحلة التدوين، مستخلصة من مقدمات كتب التعبير القديمة 11 منهجًا اعتمد عليها المعبرون في تفسير المنامات. وتشدد الدراسة على ضرورة وضع الرؤيا في سياقها، مع مراعاة ظروف صاحبها، والمعبّر، وزمان المنام ومكانه، فضلًا عن الطريقة التي نُقلت بها الرؤيا.
وتتطرق الدراسة كذلك إلى بعض القضايا الجدلية، من بينها رواية المنامات بصيغ تشبه أسلوب رواية الحديث، فضلًا عن الأحلام المشتركة التي يرويها أكثر من شخص، ومدى إمكانية الاستناد إلى المنام في القضايا الدينية والأحكام الشرعية.
طقوس استدعاء الأحلام
وتبحث الباحثة في مفهوم «الحالومة»، وهو نوم الشخص في مكان مقدس بهدف انتظار رؤيا تساعده في الإجابة عن سؤال أو طلب الشفاء أو تحقيق غاية معينة، موضحة أن هذا التقليد عرفته حضارات قديمة، بينها الحضارات اليونانية والهندية والفرعونية، وظهرت بعض ملامحه في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام.
كما تقارن الجمال بين هذه الممارسات وبعض أشكال الاستخارة، مشيرة إلى أن بعض الأشخاص ربطوا الاستخارة بانتظار رؤيا خلال النوم، وأن أماكن المبيت طلبًا للرؤى تغيرت عبر مراحل تاريخية مختلفة.
أحلام السجناء وحجرة ابن الهيثم
وتنتقل الدراسة إلى منامات السجناء، مستندة إلى كتاب «الفرج بعد الشدة» للقاضي التنوخي، وتحلل عددًا من الرؤى التي رآها سجناء عاشوا ظروفًا قاسية، ومن بينهم الوزير يعقوب بن داوود الذي سُجن في «المطبق»، المعروف بضيق المكان وشدة ظلمته.
ومن هذه التجارب، تنتقل الباحثة إلى العلاقة بين المنام والرؤية والإبصار، مستحضرة أبحاث الحسن بن الهيثم داخل الحجرة المظلمة، وما طرحه من تصورات حول كيفية حدوث الإبصار، إلى جانب مفهوم «عين القلب» لدى الإمام الغزالي، باعتبارها صورة للرؤية الباطنية التي تتجاوز ما تدركه العين.
وتربط الدراسة أيضًا بين المنام والعمى واللغة، موضحة أن صور الأحلام لا تبقى في نطاق التجربة الداخلية، وإنما تتحول إلى كلمات عندما يروي الإنسان رؤياه أو يحاول تفسيرها.
وتخلص لينا الجمال إلى أن المنام في الحضارة العربية والإسلامية لم يكن مجرد ظاهرة مرتبطة بالنوم أو وسيلة للتنبؤ بالمستقبل، بل شكّل مجالًا لفهم علاقة الإنسان بالمكان، ومرآة تكشف تأثير الفضاء المحيط في النفس، كما منح الإنسان مساحة رمزية لإعادة تشكيل العالم وتصور عوالم يصعب الوصول إليها في الواقع.



